هروب

مَسَاءٌ صاخِب
أَمْشِي وَحيدَة، أجوب الشَّوَارِع
زُقَاق تِلْوَ الآخَرِ
أَجْلِسُ فِي مَكَان فَارِغ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
حَتَّى الرَّبِيع فِيهِ خَال مِنْ الْحَيَاةِ

تَنْبَعِث خُيُوط الشَّمْس
بَيْن البِنايات الْبَيْضَاء الْفَارِعَة الطُّول
أَسْمَع ضَجِيجًا، إنَّهُ يَأْتِي مِنْ أعماقي
تَركته يَشْتَعِل!
فازدحمت أفكاري رُوَيْدًا رُوَيْدًا
فَكَّرْتُ فِي حلْمٍ بَعِيد تَحَقَّق!
فشعرت برعشة اِحْتَلْت قَلْبِي
أغمضت عَيْني فِي غِبْطَة
تَمَنَّيْت الْهُرُوب كَمَا تَفْعَلُ أَسْرَابُ الطُّيُورِ
تحلق فِي الْأُفُقِ الْبَعِيد
برشاقة وسعادة كَمَا أَنَّهَا لَمْ تَحْلِق مِنْ قِبَلِ!
فَقُلْت لِنَفْسِي لَا جَدْوَى مِنْ هَذَا الحزن
لَا أَحَدَ يَقْدِرُ عَلَى رُؤْيَةِ زوبعتك القاتمة
أَهَمّ بِالرَّحِيل فتقترب مِنِّي عَجُوزٌ غَرِيبَة
تَسْأَلُنِي عَنْ حَالِي فأجبتها بابتسامة مُؤْلِمَة:
أَظُنّ أننِي بِخَيْر، سَأَلْتُهَا بدوري لَمْ تَجِبْ لَكِنَّهَا
أَشَارَت عَلَى عُكازها المهترئ فِي يَأْس مَهِيب
فَقُلْت لِنَفْسِي مُجَدَّدًا، أَكَان عَلَيَّ أَنْ أُشِير
عَلَى رَأْسِي؟ أَو يَدِي أَوْ قَلْبِي؛ أَو بِالْأَحْرَى على جَسَدِي
أَمْ كَانَ عَلِيٌّ أَنْ أَخْبَرَهَا بكمية الْعَقَاقِير والمهدئات
الَّتِي مَا عَادَت تُخَفّف مِنْ آلامي!

ساعدتها عَلَى الْجُلُوسِ، ثُمّ هَمَمْت بِالرَّحِيل
بَيْنَمَا كَانَتْ السَّمَاءُ مخضبة بِالشَّفَق الْأَحْمَر
الَّذِي يَشِع كَمَا تُشِعّ الْآلَام فِي وُجُوهِ العابرين
أَمْشِي عَلَى جَوَانِبِ الطُّرُقَات
لَا أَسْمَعُ غَوْغاء الْعَالم وَلَا نَواحَه
أَطْلق العنانَ لخيالاتي لَعَلَّهَا تنتشلني
مِن مَسائِي الثَّقِيل.

هروب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.