غزالي المسيحية

نيكولا مالبرانش والجسر بين الشرق والغرب

يزعم بعض المثقفين أن البون شاسع بين الثقافتين العربية الإسلامية والغربية المسيحية، ويتم البناء على هذا الزعم بالعديد من التأويلات والإطلاقات، لكن المتأمل في تاريخ تطور الأفكار، سيجد جسور التلاقي الممتدة، والتي تساعد في التقريب والتفهم، وتقلل من ضجيج صراع الحضارات، وما شابهه من مفاهيم، تغزي مشاعر الكراهيةوالتربص للآخر.

تعد العصور الوسطى، نقطة التقاء حضاري بين الثقافتين، وبعيدا عن الحروب والصراعات، فقد كانت عقول الفلاسفة والمفكرين، تتواصل وتتقارب وتعبر عن ذلك بالنشر والكتابة. وكنموذج فقط نذكر “نيكولا مالبرانش” (1638-1715م)، فيلسوف فرنسي لاهوتي مثالي، نُصّب قسيسا وهو في السادسة والعشرين من عمره، وتعد المرحلة الفارقة في حياته، عندما تعرف على فكر ديكارت، وظهر ذلك جليا في كتابه (البحث عن الحقيقة). وديكارت نفسه يشكل حلقة وصل باتت معلومة للمحققين من دارسي التراث الإسلامي، ولن أتوقف عند ملاحظات مفكرين أمثال العقاد و زكي نجيب محمود وغيرهما، حول سبق الغزالي في “الشك المنهجي”، فقد بات مألوفا لدى المستشرقين وباحثين من الغرب، أن الغزالي كان ديكارتيا قبل ديكارت !، وتكفي مطالعة “المنقذ من الضلال” للغزالي وكتبه الأخرى ببعض ما جاء في “مقال عن المنهج” و “التأملات” لديكارت. ونحن هنا لسنا في معرض الاتهام، بل في دعوة للتأمل في أوجه التلاقي الإنساني، والمنطلقات المتشابهة. ومالبرانش صورة أخرى تعكس هذا التلاقي، فقد أراد عقلنة اللاهوت، وترويض الفلسفة وإعادتها إلى مربع الدين، وهذا نفسه ما سعى إليه الغزالي في كتاباته المتأخرة، بل وفي “تهافت الفلاسفة“.

الدارسون لفلسفة مالبرانش أكدوا أنه كان لديكارت، كما كان توما الأكويني لأرسطو. ويقصدون بذلك أن محاولته تلك، سبقه إليها “توما الأكويني” وكذلك “أوجستين” مع الفسفة اليونانية المتمثلة في أرسطو وأفلاطون. لكن فيلسوفنا الفرنسي لم يقف في تشابهه مع الغزالي في عقلنة الدين، وإنما ظهر في كتاباته نفس أشعري، مما جعل المفكر جورج طرابيشي – في معرض نقده لمشروع الجابري- يصفه بغزالي المسيحية، وذكر أنه نفى “السببية” تقريبا بالأسلوب والأمثلة التي نفاها بها الغزالي، بل رفض كذلك “الطبع”، وقال بفكرة الخالق المستمر للأعراض، والتي تقول بها الأشاعرة، وأرجع مالبرانش كل شيء إلى إرادة الله. ومع ذلك فهو لم يقلل من شأن العقل، وإنما جعل له حدودا – كما فعل الغزالي- بل وديكارت أيضا. ويذكر طرابيشي أن مالبرانش استشهد في كتابه “البحث عن الحقيقة” بكتاب ابن ميمون “دلالة الحائرين” وبكتاب ابن رشد “تهافت التهافت“.

وبهذا التوضيح الأخير من طرابيشي، دحض تصور “الجابري” للغزالي، وتعجب من رفعه لمكانة مالبرانش، في الوقت الذي حط فيه من أبي حامد الغزالي، مما يجعلنا نحتاج لإعادة النظر، والتخلي قليلا عن الأحكام المطلقة المتعسفة.

ولعل محاولة تفضيل فلاسفة المغرب -جغرافيا -على المشرق في الجملة، أمر يحتاج إلى مراجعة، ويأتينا المستشرق الإيطالي جيوفاني فورلاني G.Gurlani بقوله أن ديكارت تأثر بابن سينا في مسألة “أنا أفكر فأنا موجود” اعتمادا على نص لابن سينا عنوانه “الرجل الطائر” (الوارد في كتاب الشفاء، قسم الطبيعيات)، ويؤكد نفس الأمر يان باكوش (1890-1967) Ján Bakoš (اللاهوتي والسيميوطيقي والمستشرق السلوفاكي) الذي حقق كتاب الفن السادس من الطبيعيات (علم النفس) من كتاب الشفاء لابن سينا.

ولعل هذا التقارب الفكري والسعي لإثباته والبرهنة عليه، يساهم في تقليل العنصرية والتنابز والتنمر، ولنجعل من الفلسفة والتي سعى في بناء صرحها عقول من شتى بقاع المعمورة، على مر أزمنة وقرون طويلة، وصعد من هذا الصرح أعمدة العلوم والفنون والآداب.

غزالي المسيحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *