مداخل أولية لفهم السلوك الانتخابي 1/2

آراء سوسيولوجية

تشير الأدبيات العِلمية في مجال السلوك السياسي إلى وجود كمٍّ هائل من النظريات السياسية التي تحاول تفسير السلوك الانتخابي. وعلى الرغم من هذه الكثرة يصرح الباحثون في العلوم السياسية بقصور هذه النظريات، ويُعْزُون ذالك القصور إلى إهمالها للجوانب النفسية و الاجتماعية في السلوك الانتخابي. وعلى مر السنين سعى الباحثون في السياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس إلى توظيف نظريات علم النفس وعلم الاجتماع لتفسير ودراسة السلوك الانتخابي.
وتشير الأدبيات السوسيوسيكولوجية إلى أن بداية الاهتمام بدارسة السلوك الانتخابي كانت في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ومشيرين إلى فجوةٍ بين العالم الثالث والعالم الغربي في هذا الاهتمام إذا لم تولي بلدان العالم الثالث أهمية لدراسة السلوك الانتخابي.

إن زيادة الاهتمام بدراسة السلوك الانتخابي قد وسّع من دائرة المهتمين بدراسته إذا لم يعد الأمر مقتصراً على الباحثين في العلوم السياسية وإنما تعداه الى الباحثين في علم الاجتماع و علم النفس وأدى ذلك إلى ظهور نظريات كتيرة ومتعددة تفسره بحسب المجال الذي تنتمي إليه. وعلى الرغم من هذه الكثرة يُشير “إلدر سفيلد “ElderSveld 1951 إلى صعوبة فهم السلوك الانتخابي بالاعتماد على الجوانب النظرية فقط؛ وأنّ الفهم المتكامل يتطلب إجراء دراسةٍ ميدانية عنه في مجاليْ علم الاجتماع وعلم النفس.

على هذا الأساس، طوّر الباحثون في علم النفس لأربعة عقود طرائقَ وأساليب متعددة لدراسة السلوك الانتخابي ؛ لعل أبرزهم هما عالمَيْ النفس الأمريكيين لازار سفيلد Lazar sfild و فيليب Philip وقد تمخضت أعمالهم عن ظهور مدرستيْن في دراسة وتفسير السلوك الانتخابي هما : مدرسة كولومبيا (لازارد سفيلد ) وجماعته ومدرسة ميشيجان لـ (فيليب ) وجماعته.

انطلاقاً من هذه التوطئة سنحاول الاجابة على إشكالية أساسية متعلقة بكيف يمكن أن نفهم السلوك الانتخابي ؟ ثم ما هي دوافع المتحكمة فيه ؟ ما هي أبرز المدارس التي قامت بتفسيره ؟

أولاًمفهوم السلوك

السلوك behaviour هو الموضوع الأساسي الذي تدور عليه جميع الدراسات علم النفس و المقصود به “كل أوجه النشاط الذي يصدر عن الكائن الحي (الانسان) سواء أكان هذا السلوك ظاهرًا أم غير ظاهر ويكون عادة على شكل أي نشاط جسمي أو حركي أو لفظي أو عقلي او اجتماعي او انفعالي ،يصدر من الآنسان كاستجابات لمثيرات معينة داخلية او خارجية و على ذالك يشمل السلوك:
– كل ما يفعله الانسان أو يقوله .
– كل ما يصدر عنه من نشاط عقلي كالإدراك والتفكير والتخيُّل.
– كل ما يستشعره من تأثيرات وجدانية و انفعالية كالإحساس باللذة ،و الألم و الشعور بالضيق او الارتياح ،بالخوف او الغضب مع ما يصاحب ذالك من انشطة فسيولوجية شتى.
و يهتم علماء الاجتماع و علماء النفس و علماء السياسة بدراسة السلوك الكلي المعقد للانسان وعادة ما يستعمل معه مصطلحات سيكولوجية مثل (السلوك العدواني -السلوك الانتخابي..)
إن أهم ما يميز السلوك هو ( الغائية ) و (التكيفية)؛ فالغائية تعنى ان السلوك نشاط يصدر عن دوافع ويهدف الى غاية التي هي ارضاء ذالك الدافع .أمًا التكيفية فتعنى ان السلوك هو أداة التكيف للبيئة ،وعلى هذا الاساس فإن كل ما يصدر عن نشاط من الانسان يكون هدفا وساعيًا إلى التكيف مع البيئة.
إن فهم السلوك و تفسيره وحتى ضبطه لا يتم إلا من خلال معرفته غايته والدافع المحرك له فضلا عن طريقة تفاعله مع المؤشرات البيئية.

ثانياً – مدارس وتفسيرات السلوك الانتخابي

– مدرسة كولومبيا :

قبل عام 1944 كانت دراسات الانتخابات تنحصر في عملية تحليل توجهات الحزب أو الرئيس المنتصر ودراسة الخطاب السياسي للأحزاب المتنافسة، وقادت الصدفة إلى ظهور أولى نظريات السلوك التصويتي على يد الباحث الأمريكي بول لازارسفيلد (Paul Lazarsfeld) أحد تلامذة مدرستي علم الاجتماع وعلم النفس الألمانيتين في فترة ما بين الحربين العالميتين.

فقد كان لازارسفيلد يدرس بالأساس تأثير وسائل الإعلام على قرارات المستهلكين في الأسواق الأمريكية في بداية الأربعينيات مستخدماً الأدوات الامبريقية لدراسة الفعل الإنساني وتفضيلات الأفراد وصولاً للتوقع بالسلوك المستقبلي. وطرح لازارسفيلد في بداية دراسته لتأثيرات وسائل الإعلام أسئلة تحت تأثير دراسات سيجموند فرويد حول الدوافع الواعية وغير الواعية وإمكانية الوصول لهذه الدوافع من خلال طرح سؤال “لماذا؟”.

فقد افترض لازارسفيلد أن لكل فعل إنساني سبباً يتحدد وفقاً للظروف الشخصية وللظروف المحيطة وهي العوامل التي تدفع الشخص للسير في اتجاهات محددة وبالتالي فإن لكل فعل “ما قبله”.

وفي هذا السياق قام لازارسفيلد بتطوير أدوات امبريقية وأسئلة استطلاعية لدراسة مدى تأثير الإعلام على الأفراد وبالأخص المستهلكين وطور من خلال دراساته الرئيسية مفهوم تدفق المعلومات عبر مرحلتين(Flow of Communication Two –Step) ، حيث رأي لازارسفيلد أن المستهلك أو الشخص لا يتأثر بالإعلام مباشرة، بل أن هناك قادة رأي (opinion leader) يلعبون دوراً رئيسياً في تشكيل وعي الشخص من خلال نقل المعلومات التي يرونها إليه مناسبة ويمنعون وصول معلومات بعينها إليه، أو يقومون بإقناعه بآرائهم الشخصية حول السلعة وهؤلاء قادرين على السيطرة على الأغلبية من أعضاء المجموعة التي يقودونها من الاتباعopinion) (followers . ??

وفي سياق دراسته لتأثيرات الإعلام على قرارات المستهلكين واجه لازارسفيلد مشكلة تمويلية دفعته للبحث عن تمويل للبحث فلم يجد سوى فرصة لتمويل بحث بشأن انتخابات 1940 بين المرشح الديموقراطي فرانكلين روزفلت ومنافسه الجمهوري وينيدل ويلكي، وقام لازارسفيلد المتخصص في علم الاجتماع الإحصائي بإجراء دراسة ميدانية على 600 شخص خلال الحملة الانتخابية والتي شهدت هجوماً عنيفاً من الإعلام الأمريكي على المرشح الديمقراطي بسبب مرضه بل ومناشدة عدد من الصحف الكبرى الناخبين بعدم انتخاب روزفلت لفترة جديدة بسبب اقتراب البلاد من الدخول في الحرب العالمية الثانية وضرورة وجود قائد قادر على اتخاذ القرار بدخول أو عدم دخول الحرب.

وعبر إجراء لازارسفيلد الدراسة من خلال سبع مقابلات للعينة الصغيرة التي اختارها وجد أن الأغلبية تتجه للتصويت لصالح روزفلت على عكس رسالة الإعلام الأمريكي وهي النتيجة التي كانت بمثابة مفاجأة للجميع وأظهرت الانتخابات بالفعل اكتساح روزفلت وفوزه بفترة رئاسية ثانية.

هذه النتائج جعلت لازارسفيلد وعدد من الباحثين في جامعة “كولومبيا” الأمريكية ينخرطون في محاولة تفسيرية للسلوك التصويتي للناخب الأمريكي ظهرت في الكتاب الشهير “اختيار الشعب” (The People Choice-1944)، وهو الكتاب الذي كان بمثابة أول دراسة امبريقية للسلوك التصويتي.

وفي هذا الكتاب طرح لازارسفيلد افتراضات ما عُرف فيما بعد بـ”مدرسة كولومبيا” لدراسة السلوك التصويتي. وركزت افتراضات مدرسة كولومبيا على أن الشخص لا يقوم باتخاذ قراراه التصويتي بشكل منفرد بل من خلال مجموعة (group) ينتمي لها سواء كانت هذه المجموعة زملاء في مكان العمل أو زملاء دراسة أو مجموعة دينية، فالناخب يتأثر بمجموعته وأقرانه المشابهين له في الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والدينية والقريبين منه في المكان (الحيز الجغرافي). وضمن المجموعة التي ينتمي لها الشخص يكون هناك قادة رأي يعتبرهم أفراد المجموعة الأكثر دراية بقضية بعينها، وفي الانتخابات يمثل الأشخاص الأكثر خبرة سياسية قادة رأي يحددون اتجاهات تصويت المجموعة. وهؤلاء الأفراد من قادة الرأي يمثلون الوسيط بين الشخص والإعلام بحيث إن تأثيرات الإعلام المباشرة على الأفراد تكون ضعيفة للغاية حيث يتم مناقشتها ضمن المجموعة ويفرض قادة الرأي عبر الإقناع أو النفوذ وجهة نظرهم وما يعتبرونه أفضل خيار سياسي وانتخابي لمجموعتهم.

وهنا يشير لازارسفيلد إلى أن الناخب يصوت بوعي ليس فقط بحسب مجموعته، بل أيضاً من أجل صالح مجموعته.
إن لازارسفيلد اعتبر أن المجموعة أو الجماعة الصغيرة العامل الرئيسي المحدد للتوجهات التصويتية للناخبين (الأفراد) وهنا صنف هذه المجموعات فاعتبر أن هناك مجموعات عمرية ومجموعات دينية (الكنيسة) وشركاء وتجمعات المكان، وبالتالي فإن قرار الناخب ليس قراراً فردياً بل أن الأسرة والمجموعات التي ينتمي لها الناخب هي التي تحدد قراره التصويتي وبالتالي فالقرار ليس لحظياً بل هو قرار مسبق.

ورداً على انتقادات لمدرسة كولومبيا بشأن جمود منظوره للسلوك التصويتي بسبب هيمنة المجموعة على الاتجاه الانتخابي للفرد، فقد أقر لازارسفيلد بإمكانية حدوث تغيير في التوجه التصويتي للشخص ولكن خلال عملية اجتماعية ممتدة ومنها تغيير الشخص لمكان إقامته والانضمام لمجموعات جديدة.

وطور لازارسفيلد ومعه زميله الياهو كاتس افتراضاتهما بشأن السلوك التصويتي في كتابه الثاني “التصويت” (Voting-1950)، حيث استخلص من دراسته لانتخابات 1948 أن هناك تأثير متبادل بين الفرد ومجموعته في عملية تحديد السلوك التصويتي حيث أن الفرد يتأثر بتوجهات مجموعته ولكن في ذات الوقت تفرض القضايا العامة نفسها على المجموعات والأفراد وتحسم المواقف ومن بينها التوجه التصويتي.

إن مدرسة كولومبيا اليوم ليس لها إسهامات في السلوك التصويتي بالولايات المتحدة، ولكن تأثيراتها ما زالت باقية في كافة مدارس السلوك التصويتي وخاصة بشأن تأثيرات الإعلام ودور المجموعات في توجيه آراء الناخب.

يُتبــع

مداخل أولية لفهم السلوك الانتخابي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *