الغش في الإمتحانات الجامعية

خلل في النظام الإجتماعي و التربوي

هاته التدوينة من تأليف الطالبين “إلياس سعيد” و “إنصاف الناتي”

إننا نحيا في واقع أصبح فيه الغش في الإمتحانات الجامعية أمرا طبيعيا مسلما به، و أضحى عادة مألوفة عند السواد الأعظم من الطلبة، لكنه يبقى على العموم مرضا تربويا ينخر في الجسد الأكاديمي، و مصدر كل الأوبئة الإجتماعية، فهو من السبل الشائعة التي يلجأ إليها الطلبة للحصول على نقط ودرجات أكاديمية مرتفعة بطرق غير مشروعة ومنبوذة أخلاقيا وثقافيا وإجتماعيا ودينيا، إنه نوع من الظلم والتزييف يلغي ويقتل مبدأ تكافؤ الفرص بين كافة الطلبة. ويعرف الكندري الغش الدراسي على أنه “محاولة الطالب الغير المشروعة للحصول على معلومات يدونها في ورقة الإجابة، لإيهام الأستاذ بأن ما كتبه في الورقة هو حصيلة العلم الذي إستفاده خلال دراسته لهذه المادة” .

وتأسيسا على هذا التعريف المبسط للظاهرة يمكننا طرح الإشكالات الآتية: ما أسباب الغش في الإمتحانات؟ وماهي تجلياته؟ ومن المجرم الحقيقي؛ هل هو الطالب الذي لا يرضى بطبيعته بالفشل؟ أم أنه النظام التعليمي الذي يفرض الحفظ عن ظهر قلب؟ وكيف السبيل للحد من هذه الظاهرة أو على الأقل التقليل منها؟

للحديث عن الغش المدرسي بما هو ظاهرة إجتماعية، لا بد أن نرجع هذا السلوك الخبيث إلى سياقه العام الذي لا ينفصل عنه، فلا يمكن عزل الغش المدرسي عن المجتمع الذي ينمو فيه؛ فكيف لا يلتجئ الطالب إلى الغش وهو يعيش في واقع جله مبني على الغش؟ إذ يتخذ أشكالا متعددة يمكن إستقراؤها من حياتنا اليومية، إن الوسط الذي يعيش فيه الطالب أضحى فيه الغش فيروس ينخر في جميع قطاعاته، وأصبح مبثوثا في مختلف التعاملات الإجتماعية، إن مجتمعنا يشجع على الغش ويمدحه ويعتبره من الفطنة والذكاء، هذا بالإضافة إلى أسباب أخرى يتذرع بها الطلبة لممارسة هذه العملية منها:
-عدم الإعلان المسبق عن وجود إختبار.
-الدراسة عن بعد الفاشلة التي تتبعها الجامعات نتيجة تفشي وباء كورونا.
-طبيعة النظام التعليمي القاتل للإبداع والمشجع على الحفظ، وهذا ما سنتوقف عنده لاحقا للتفصيل فيه.
-كثرة المواد الدراسية وعدم الإحتفاظ بفاصل زمني بين مواد الإختبار.

إن هذه الآفة الخطيرة أصبحت مستفحلة بالشكل الذي يجعلها لا تبدو غريبة وكأنها حق مشروع ومشاع، وأضحى الطلبة يتحدثون عن نيتهم على الغش أكثر من نقاشهم حول الفهم والتحضير الجيد للإختبار، بدون إرتباك ولا خوف ولا خجل، كأنه أصبح عرفا طلابيا لا إثم فيه، ولقد زادت الهواتف الذكية والأجهزة الإليكترونية بصفة عامة من إنتشار هذه الظاهرة خصوصا في العقد الأخير، لاسيما أنها متاحة للجميع، وتسهل لهم عملية الغش؛ حيث وفور أن تسلم لهم ورقة الإمتحان يتلون في البداية بصوت خافت السؤال على شخص أعلى منهم رتبة في ذات التخصص إتفقوا معه مسبقا للمشاركة في الجريمة، أو يلتقطون صورا له مستغلين أحيانا غفلة المراقبين أثناء توزيعهم للأوراق، أو بتساهل وتهاون منهم أحيانا أخرى، وماهي إلا دقائق يصل لهم الجواب ويحررونه على ورقة الإختبار بطريقة ذكية حيت يتظاهرون بالتفكير والتخمين كلما شعروا بإقتراب أحد المراقبين ناحيتهم، وهذه الطريقة تبقى الأنسب والأنجع للطالبات اللواتي يلبسن الحجاب، بل إن بعضهن يتحجبن فقط في فترة الإمتحانات ليخفين به أداة الغش ويصعب على المراقبين ضبطهن، وهذا إمتياز للطالبات على الطلبة الذين يضطرون للغش بطرق أخرى كحيازة الهاتف أو تصغيرا لملخص الدرس.

الطالب الغشاش غبي؛ فهو يمتص ذكاءه فيما يهلكه و يدمر المجتمع، في التفكير والتحليل ودراسة أي الطرق هي الأمثل ليغش بأريحية تامة، وإن كانت عيون المراقبين تحوم حوله، لكنه لو إستغل هذا الوقت والذكاء في حفظ وفهم فحوى المحاضرات وبقليل من المجهود الشخصي والثقة في النفس لكانت النتيجة والنقطة هي نفسها التي سيحصل عليها بطريقة غير قانونية وغير أخلاقية، لكن أضحى الغش وللأسف أحد المواد الدراسية التي تدرس قبيل الإمتحانات خارج الأسوار الجامعية.

وتفسير هذا السلوك الإنحرافي تتناقله آراء مختلفة وتتناوله نظريات عديدة، حيث يفسره البعض في إطار “الغاية تبرر الوسيلة” بمعنى إضطرار الفرد إلى اللجوء إليه لسبب أو لآخر، و يفسره آخرون و منهم الباحث شيلتون (shelton) بأنه بمثابة إستجابة تجنيبية يحاول الفرد عن طريقها التخفيف من الضغط الذي يواجهه تجنبا للآثار التي تنتج عن فشله في الإمتحان، بينما يلقيها البعض الآخر ومنهم مونتور (montor) على النظام التعليمي من أسلوب تقويم الطلاب ونظام الدرجات، ويلقي البعض الآخر الغش الدراسي على الطلاب أنفسهم الذين يلجؤون إليه بسبب إهمالهم للدراسة وإنشغالهم عنها لسبب أو لآخر، بينما يلقي البعض هذا السلوك على بعض عناصر العملية التعليمية الأخرى كالمعلمين، أو لصعوبة المنهج الدراسي.

إن الغش يعطي إنطباعا خاطئا وغير ممثل للواقع على المستوى الأكاديمي لطلاب المؤسسات الجامعية، حيث يظهرون بسبب الغش مستوى غير مستواهم الحقيقي، فالطالب الذي ينجح بالغش، معناه: أنه هيأ نفسه لأن يتبوأ مركزا عظيما بقدر ما تؤهله هذه الشهادة، وهو في الواقع لا يستحقه، وحينئذ يصبح وجوده ضررا عل المجتمع، فالأمة إذ نجح مثقفوها بالغش صار مستواهم الثقافي هابطا، ناهيك عن أن من نجح بالغش لا يستطيع أن يعلم غيره ويثقفهم.

إن الهدف من الإختبارات تقييم مستوى كل طالب، وإعطائه النقطة والميزة التي يستحقها؛ ولكن الغش يعرقل العملية التربوية وضرب في مبدأ تكافؤ الفرص الذي هو أساس الديمقراطية في التربية، وسيدفع التعود على الغش وإعتباره أمرا طبيعيا الطلبة إلى الإستمرار فيه، وعدم التخلي عنه وقد يرافقهم حتى في إمتحانات المقابلة للعمل، الأمر الذي يخلق أفرادا ينعدم لديهم الإحساس بالمسؤولية لأنهم أشخاص غير كفوئين ليس بوسعهم خدمة أي منشأة أو مؤسسة يعملون فيها.

قد يكون عدم إعتراف الطالب بقيامه بالغش الدراسي رغم سلوكه الفعلي يعد من وجهة النظر المنطقية مقتا لهذا السلوك والإعتراف بأنه غير مقبول، لكن الإشكال اليوم؛أصبح الطالب يتفاخر بسلوكه أمام زملائه كأن الغش أضحى سلوكا عاديا لا إثم ولا نقص فيه، بل وأصبح الممتنع عنه هو الآثِم، لا يعترف به أحد ويمقته كل أصدقائه.

إن نظامنا التعليمي أيضا يشجع على الغش، فجامعاتنا التي عوض أن يكون دورها الأساسي تكوين أفراد المجتمع وتعليمهم طرق التفكير السليم، تكوِّن طالب همه الوحيد هو النقطة، راميا كل معلوماته ورائه بعد نسخه إياها على ورقة التحرير، لأنه إنتهى دورها ولن يعود مطالبا بها.

لقد أصبح لزاما علينا مراجعة أنظمتنا التعليمية وجعلها تتناسب والقدرات العقلية لكل متعلم، لأن ما يميز الإنسان بالأساس ليس قدرته على الحفظ بل البحث والتحليل والتفكير النقدي، وليس تقبل المعلومة كما هي دون البحث عن ماهيتها وتطبيقاتها.

وأخيرا نقول؛لا جدوى من أي إصلاح في ظل مناخ ينمي سلوك الغش و يشجعه، إننا بحاجة إلى علاج جذري حقيقي يستأصل الداء من جذوره، إننا بحاجة لأن نفهم و نستوعب أن النقطة لا تعبر عن قيمة الطالب و المتعلم أبدا، بل علمه و معرفته هي الأهم و الأسمى.

المراجع :

-“الإتجاه نحو الغش الدراسي وعلاقته بوجهة الضبط وبعض سمات الشخصية لدى الطلبة بمدينة الطائف” دراسة مقدمة لقسم علم النفس كلية التربية جامعة أم القرى.

الغش في الإمتحانات الجامعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *