مداخل أولية لفهم السلوك الانتخابي 2/2

آراء سوسيولوجية

رابط قراءة الجزء الأول من التدوينة

-مدرسة متشجن:
طرح أنجوس كامبل في كتابه الشهير “الناخب الأمريكي” (The American Voter- 1960) فرضية رئيسية هي أن الانتماء الحزبي هو الذي يحدد السلوك التصويتي للناخب، مدشناً ما يعرف بمدرسة متشجن لدراسات السلوك التصويتي. وكان الاسهام الأول لهذه المدرسة هو “الناخب يقرر” (The Voter decides) والذي ضم دراسات استطلاعية حول اتجاهات التصويت في انتخابات 1948 الرئاسية الأمريكية والتي فاز فيها المرشح الديمقراطي هاري ترومان على الرغم من أن كافة الاستطلاعات في وسائل الإعلام الأمريكية رجحت وبقوة فوز منافسه الجمهوري توماس ديوي بينما كانت دراسة كامبل هي الوحيدة التي توقعت فوز المرشح الديمقراطي.

فقد شدد فريق “متشجن” بقيادة كامبل على أن الانتماء الحزبي يمثل عاملا رئيسيا في تحديد توجهات التصويت للناخبين، واعتبرت هذه المدرسة أن العوامل التي حددها لازارسفيلد ومدرسة كولومبيا من دور للأسرة والجماعات التي ينتمي لها الشخص سواء الدين أو الطبقة أو الأثنية أو الحيز تحدد بشكل أساسي انتماءه الحزبي، وأن الأخير هو الذي يلعب الدور المحدد للاختيار بين البدائل المطروحة في الانتخابات.

وبحسب كامبل فإن أي شخص يعتبر نفسه ضمن فريق سياسي بعينه (حزب) وأن عملية تغيير ولاءه الحزبي تأخذ وقتاً طويلاً، وبالتالي فإن السؤال الرئيسي لدراسة سلوك الناخبين في الولايات المتحدة: هل تعتبر نفسك جمهوريا أم ديمقراطياً؟ وساهم دور مدرسة متشجن وهيمنتها على دراسات السلوك الانتخابي في أمريكا هو الذي فرض دراسات التقسيم الثنائي للولايات بين ولايات زرقاء وولايات حمراء كانطلاقة رئيسية لدراسة توقعات التصويت في كافة الانتخابات منذ الخمسينيات إلى الآن.

ومثلها مثل مدرسة كولومبيا، تأثر فريق متشجن بمدرسة علم النفس الاجتماعي الألماني وكذلك كان انخراطها في دراسات السلوك التصويتي بالصدفة، حيث كان كامبل ومعه ميلر Warren Miller وستوك Donald Stokes يقومون باستطلاع للرأي في عام 1948 حول القضايا العامة بالولايات المتحدة تضمنت سؤالاً ضمن عشرات الأسئلة حول اتجاهات التصويت في انتخابات الرئاسة. وأظهر استطلاع متشجن تفوق ترومان على منافسه الجمهوري توماس ديوي فيما توقعت استطلاعات الصحف الأمريكية تحقيق المرشح الجمهوري انتصاراً سهلاً على ترومان الذي تولى منصبه صدفة بعد وفاة روزفلت. ومع نجاح توقعات فريق كامبل أسست جامعة متشجن وحدة خاصة لاستطلاعات الرأي تحت اشرافه هي مركز الدراسات المسحية (SRC) وهو المركز الذي ساهم في تكوين أول عينة ضخمة على المستوى الوطني بدلاً من العينات السابقة التي كانت تقوم على ولايات محددة فقط إلى جانب فتح الباب أمام المقابلات المفتوحة في الاستطلاعات بدلاً من حصر الاستطلاع في الأسئلة المحددة سلفاً بالإضافة إلى تطوير آلية “السيمنار” الأسبوعي بين الباحثين المشاركين في الاستطلاع لمراجعة النتائج ومناقشتها.

صورة تعبيرية

وانتهت دراسات كامبل وفريقه الذي ضم بالأساس وارين ميلر ودانييل كاتس إلى طرح فرضية رئيسية هي أن الانتماء الحزبي (partisanship) هو العامل الرئيسي المحدد لاتجاهات التصويت، فأغلبية الأمريكيين كانوا في 1948 ينتمون للحزب الديمقراطي على قاعدة تأييد سياسية “النيو ديل” (new deal) الاقتصادية ودور الحزب في قيادة البلاد في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي لم يلتفتوا إلى قوة المرشح وكفاءته بل صوتواً على قاعدة الولاء الحزبي لصالح ترومان.

وتبنى كامبل نفس محددات مدرسة كولومبيا للتصويت الخاص بأن العوامل الاجتماعية والمجموعات التي ينتمي لها الشخص لها دور رئيسي في تحديد ولائه الحزبي. فمدرسة متشجن لم تهمل العوامل السببية مثل القضايا المثارة والحملات الانتخابية والوضع الاقتصادي والاجتماعي للناخب وتأثير الأسرة والأصدقاء ولكنه اعتبر أن هذه العوامل إلى جانب الإعلام تلعب دوراً ثانوياً في تحديد الاتجاهات التصويتية حيث يظل الانتماء الحزبي هو المحدد الرئيسي لسلوك الناخب.

– مدرسة “الاختيار الرشيد”: البحث عن الناخب العقلاني

انطلق منظور “الاختيار العقلاني” (The Rational Choice) من نظرية المنفعة الاقتصادية، فقد افترض انتوني دوانز (Anthony Downs) أن الناخب شخص رشيد وعقلاني يقوم بالاختيار بين بدائل على أساس الفائدة والمنفعة، فقد اعتبر داونز أن الناخب يشبه المستهلك الذي يختار السلعة (التصويت) في السوق (الانتخابات) بافتراض أنها تحقق له فائدة في المستقبل وتعظم من مكاسبه.

وطرح دوانز في كتابه الأشهر نظرية اقتصادية للديمقراطية (An Economic Theory of Democracy -1957) عدة افتراضات طورها فيما بعد ميلتون فريدمان (Milton Friedman) يمكن تلخيصها في ثلاث فرضيات رئيسية هي:

1) كافة القرارات التي يتخذها الناخب أو الحزب السياسي أو النظام السياسي هي اختيارات عقلانية تقوم على حساب المكسب والخسارة (المصلحة) في سياق السعي إلى تعظيم المكاسب.

2) أن النظم الديمقراطية التي تشهد حالة من التنافسية السياسية تمنح الناخب وصانعي القرار القدرة على فهم تداعيات أية قرارات يتخذها الناخب أو الحزب السياسي وتأثيراتها المستقبلية.

3) تمنح الانتخابات الحرة الناخب القدرة على الاختيار بين أكثر من قرار بإرادة حرة ودون تدخل مما يجعله يحسب الفائدة بشكل شخصي.

هكذا فإن فرضيات مدرسة “الاختيار الرشيد” ترفض بشكل واضح اعتبار الدوافع الخاصة بتأثيرات المجموعة التي ينتمي لها الناخب (مدرسة كولومبيا) أو الانتماء الحزبي (مدرسة متشجن) هي الدوافع الرئيسية المفسرة للسلوك التصويتي للناخبين، بل وضعت إطاراً مغايراً يجعل المنفعة الفردية هي الدافع الرئيسي لقرار الناخب، الذي يتحرك وفقاً لمصلحته وليس على قاعدة الأفكار والمبادئ والتاريخ.

وفي سياق مناقشته لأطروحة “الاختيار الرشيد”، طور دوانز في دراسات تالية لكتابة “نظرية اقتصادية للديمقراطية” عدة مفاهيم وفرضيات كان أهمها فرضية أن الناخب يميل لاختيار البرنامج الحزبي أو السياسي الذي يمكن تنفيذه على أرض الواقع إلى جانب ميل الناخب إلى أن يكون صوته مؤثراً في النتيجة النهائية. ومن هذه الفرضية نحت داونز مصطلح “الصوت الاستراتيجي”.

فمفهوم “الصوت الاستراتيجي” هو أن الناخب الذي يجد أن الحزب أو الشخص الذي يتوافق مع مصالحه لا يمكنه تحقيق الفوز في الانتخابات سيتجه للتصويت إلى أقرب الأحزاب أو المرشحين لهذا البرنامج. فعلى سبيل المثال إذا كان هناك ثلاثة أحزاب متنافسة (أ) و(ب) و(ج) وكان (أ) يعبر عن اليمين المحافظ و(ب) يعبر عن الوسط و (ج) يعبر عن اليسار، وكان الناخب يرى الفائدة في برنامج المحافظين ولكن فرص فوز (أ) ضئيلة جدا فإنه سيتجه للتصويت لصالح (ب) لمنع (ج) من الوصول للسلطة. فالصوت الاستراتيجي يقوم على تطوير لفرضية المنفعة، حيث إن الناخب سيتجه للتصويت لصالح الوسط للحصول على جزء من المنفعة بدلاً من أن يذهب صوته هدراً ويمنح اليسار -الذي لا يمثل له أي منفعة-فرصة الفوز بالانتخابات.

مداخل أولية لفهم السلوك الانتخابي 2/2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *