صدفة منبوذة

سخرية القدر

كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً، في إحدى مناوباتي الليلية في المستشفى الجامعي. مستعجلاته يسودها هدوء غير مسبوق يكاد يكون مخيفا، ما هي إلا ثوان حتى وردني اتصال من مكتب الاستقبال عن امرأة حامل في شهرها الثالث، أتت من أجل نزيف رحمي، استقبلتها أنا و فريقي الطبي من أجل المعاينة الأولى.. لقد كانت حقا متعبة جدا، وعيناها الزرقاوتان يكسوهما الخوف على حياة جنينها، لبرهة تدهورت حالتها،فابيض وجهها، وانخفضت مؤشراتها الحيوية مما أفقدها وعيها، أما النزيف فلا زال مستمرا…تسارعت دقات قلبها وانخفض ضغطها الدموي. بمعنى جميع المعطيات تنبئ بفقدان حياة أحدهما، هنا إرتأيت أن ننقلها للمركب الجراحي لكي أباشر بعملية إجهاض الجنين، حيث لا فرصة لحياتهما معا…

ليست المرة الأولى فقد أجريت عدة عمليات جراحية من هذا النوع، لكنها كانت مختلفة، ربما لأن نسبة الخطورة عالية نوعا ما، أو ربما لأنني لم أدرك حتى تلك اللحظة هوية المريضة. لم يمر أكثر من نصف دقيقة حتى استعادت وعيها، فأردت أن أبلغها بقراري في حالتها، إذ لا أمل لهما معا…أحسست حينها أني قتلت بصيص أملها، خاصة وأنها كانت تنتظر أن ترزق بمولود لأزيد من ثمان سنوات، فوافقتْ على مضض و عيونها مغرقة بالدموع … انتابت إلى مسمعي كلماتها التي أصابت قلبي كالسهام : لأنني أحبه، لا أريد أن يتذوق قلبه مر فراق أول فلذة كبده بسببي .
عجباً أي قلبٍ تحملين داخل جوفك، أي حُبٍ هذا!!

اكتفيت بتربيتةٍ على يدها، وابتسامةٍ بائسة أعلمُ يقيناً أنها لا تصلح للمواساة، شردتُ بذهني بعد أن ذكرتني كلماتها به، وبفيض الحُب الذي قدمتهُ له، كُنتُ لأحتملَ أسقام العالم ولا يُصيبهُ هو مكروه، كان أولوياتي التي لا تفريط فيها، كان خياري الأول دائماً، حين رحل عني انتابني شعور بالتيه، شعور بالضياع، كُنتُ مبعثرة كقطعِ “puzzle ” لا يعرفُ حل أحجيتها غيره، في تلك الفترة لم أجد غير الطبِ ملاذاً، كان تلك اليد التي ربتت على كتفي ودعتها للنهوض، كان مهربي في كل مره يلاحقني فيها طيفه، غرقتُ بين كُتب الطب طامعةً في نسيانه، تفوقت في دراستي وأصبحتُ طبيبةً مشهورة، فأين هو الآن من كل هذا؟

تم تجهيز غرفة العمليات بعد ساعة من اتخاذ القرار بالقيام بالعملية، ارتديت مئزري الأخضر، ودعوت الله أن لا يخيب أملي، نظرت في عيني مريضتي وسألتها قبل أن يقوم الطبيب بتخديرها، أتودين أن تقولي شيئا ما قبل أن نبدأ؟ لمعت عيناها و قالت : “ إذا لم تنجح العملية ووافتني المنية أبلغي زوجي بأن يسامحني، أبلغيه بأنني لطالما حاولت أن أكون السعادة لقلبه، فإن تجرع طعم الحزن من بعدي فتلك مشيئة الله، ألا والله هو الذي غرس حبه بداخلي، إنني لو خيرت بين الموت و الحياة، لكنت اخترته هو دائما ” …نزلت من مقلتي دمعة سارعت بإخفائها عنها، تداركت الموقف و قلت بلهجة مطمئنة: “ لا تقلقي، لن تموتي..أعدك بهذا “

أعلم بأنني في موقف لا يخولني لإلقاء الوعود، لكن تلك كانت رغبتي، أردت بشدة إنقاذ حياة تلك المريضة، ربما لأنها كانت تذكرني بنفسي، أدرت أن أحفظ لها ما فقدتُه أنا، علَّني أنتصر لنفسي، علَّني أعود لأؤمن بوجود الحب الذي ما عدت أؤمن به.

غاصت مريضتي في نوم عميق، تاركة لي مسؤولية إنقاذها، تبادلت مع رئيس الأطباء الذي كان يشرف على العملية نظرة مفادها ” لا مهرب الآن ” ، أومأ لي برأسه مشجعا و منحني المشرط، و بدأنا العمل، مضت ساعة والعملية تجري على نحو جيد، كانت عيناي مصوبتان نحو جهاز تخطيط القلب، كنت خائفة أن تؤول تلك الموجات المتعرجة إلى خط مستقيم يغرد بوفاتها. تذكرت تلك المرة التي كنا فيها معا تحت ضوء القمر وسألتني فيها عن أي تخصص ستختارين؟ أجبتك حينها دون تردد أني أريد أن أتخصص في الجراحة، فقلت لي: يكفيني أنك طبيبتي و الباقي لا يهم … لم أكن أدرك آنذاك أنني سأجري العديد من العمليات الجراحية، وأنا أحمل داخل جوفي قلبا موصدا ، لم أكن أدرك أنني سأعالج قلوب الناس وبداخلي قلب منفطر لا يستطيع الأطباء ولا الجراحون علاجه!!

رباه! ما بالك اليوم لا تفارق بالي، أ تُراك تفكر بي، أم أنني تحت تأثير كلمات مريضتي؟ أنهينا العملية بعد ساعات طوال، مسحت الممرضة عن جبيني العرق، ثم سمعت صوتا خافتا يقول لي: “ أحسنت صنعا أيتها المبدعة “ كان هذا رئيس الأطباء، غمرت قلبي السعادة حينها. أجل، أنقذتُ مريضتي بينما فقدتُ بصيص أملها، دخلت لغرفة تبديل الملابس وبكيت كما لو أنني فقدت جنيني، دخل رئيسي على إثري وقال محاولا تعزيتي: ” لقد فعلت كل ما بوسعك لكننا اضطررنا لإنقاذ أحدهما فقط . عائلتها تنتظر في الخارج، أأخبرهم أم أدعك أنت تخبريهم“. كنت سأرفض، لكنني تذكرت كلام مريضتي، حينه اشعرت أن علي مواجهة زوجها وإخباره بنفسي. أردت أن أخبره كم هو محظوظ بتلك الفتاة، أردت أن أصف له ألمها وهي تقدم على هذه العملية من أجله، أردت أن أبلغه بكامل أسفي وحزني لفقدان جنينهما، مسحت الدمع عن وجنتاي، و بخطى خجولة مضيت نحوه، مطأطأة الرأس، أحمل على كتفاي ثقل العالم، حينها لمحته، رباه!! آخر شخص كنت أتوقع مقابلته اليوم، أعني أنني لطالما تخيلت كيف سيكون لقاؤنا، كنت أتخيل نفسي وأنا أقول له الكلام الذي ما استطعت قوله له حين رحل عني، ذلك كان يمنحني شعورا مزيفا بالإرتياح، لكن اليوم لم يكن توقيتا جيدا لرد السوء أو للحديث البتة.

وقفنا لبرهةٍ، نحدق في بعضنا البعض دون أن ينطق أحدنا بشيء، أشحت بوجهي عنه ورحت أبحث عن زوج مريضتي لأبلغه بوفاة جنينهما، لم يخطر ببالي أن يكون هو الرجل ذاته، لم أدرك أن القدر سيجمعنا على هذا النحو، أكانت تلك إحدى دعواتي قد أُستجيبت، أ هذا انتقام الله لي، أ هي سخرية القدر، أم أنها الصدفة ؟؟! حقا لا أعرف. سألني بصوت مرتجف، متلعثم: “ كيف هي الآن؟ أهي بخير؟ “
استجمعت قواي و نطقت أخيرا: ” هي بخير لكن الجنين فقدناه، أحسن الله عزاءكم ” . قلتها و أدرت ظهري دون أن أنتظر منه ردا، لم أرد حتى رؤيته و هو يبكيها، أجل شعرت بالإنتصار حينها، لكنني وبطريقة ما كنت أجاهد نفسي كي لا يقسو قلبي؟ كي لا أستلذ برؤيته مهزوما، كنت أجاهد نفسي لكي يبقى قلبي نقيا لا يعرف طعم الحقد، وقفت لوهلة حين نادى اسمي والعبارات تخنقه :
يا روحا نسيت أني قد ظلمتها
حل الظلام بقلبي فتذكرتها
ألا يا قلبا صافيا فلتصفحي
حتى تزول عتمتي و ينمحي
ذنب نِلتُ اليوم فيه جزائي و فقدتُها
فأدركت أنني سُقِيتٌ بما قد سًقًيتُها “

صدفة منبوذة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *