معجزة المحطة

إسقاط على الشهر الفضيل

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، وإذا بهاتفي يرنّ وأنا في سبات عميق .. استيقظتُ بعدها، شغلت الهاتف وإذا به اتصال طارئ من المستشفى، همست بداخلي “خيرًا إن شاء الله”.. فتحت الخط على الفور قائلة : هل من مكروه؟

فكانت الإجابة كالتالي : وضع مستعجل لعملية جراحية. قطعت الخط، اتجهت نحو سيارتي، بعدها انطلقت ونسيت أمر البنزين. تذكّرت أن الخزان سيفرغ من البنزين وأنا في الطريق و على أمر مستعجل، وما هي إلا ثوان بعد الانطلاق فإذا بمؤشر البنزين يعلن عن نفاذه نهائيا..

لم أقلق في البداية ظنا أنني سأجد العديد من محطات الوقود في الطريق … فسرعان ما استوقفني الظلام الحالك بدأت أشعر بالقلق، وبأني على عجلة من أمري، أفكر فقط متى سأصل إلى المستشفى من أجل تلك العملية، اتصلتُ بصديقتي من أجل أن تدُلَّني إلى أقرب محطة بنزين، فأنبأتني بأنها بعيدة كل البعد.

غمَرني الحزن والأسى، فاضت عيناي بالدمع، أحسست بذنب كبير لأنني لم أنتبه إلى مؤشر البنزين، وها أنا الآن في ورطة عمري في مكان معتم تحت آمال وأحلام وهموم انحصرت كلها في أمر واحد فقط وهو محطة الوقود.. ذهني شارد يفكر فقط في حياة ذاك طريح الفراش الذي ينتظرني والذي رمى على عاتقي مسؤولية إنقاذه.
لم أعد أفكر في شيء إلا محطة وقود؛ إذْ تضاءلت وتصاغرت كل المشاغل التي كنت أفكر فيها منذ دقائق.

جنّني الليل بظلامه ولم أعد أتحمل العتمة، وإذا بضوء لاح لي من بعيد فدبّ في قلبي أمل واهنٌ وفرح مُعلّق، اقتربتُ من الضوء. لم تكن محطة وقود بل عجوز بيده مصباح. سألته عن أقرب محطة وقود، كياني كله تعلّقَ بفم ذلك العجوز في انتظار إجابة.

قال العجوز: “المحطة بعد مسافة 2 كيلومتر“. كدت أحتضنه لكنني خشيت إجابته غير دقيقة؛ شكرته وانطلقت مسرعة وعينايَ لا تفارق ضوء مؤشر البنزين، ومرت الثواني كالدّهر حتى لمحت من بعيد محطة وقود. وحين وصلت بدا لي رجل، فسألته متلهفة: هل عندك بنزين ؟ قال لي:. ….. نعم ؛ عندما سمعت من فمه كلمة “نعم” شعرت بأن الظلام أصبح نوراً ، حينها سجدت لله فورا فبفضله سخّر لي كل شيء. وبعدها إنطلقت لاستكمال الطريق نحو المستشفى وأنا أشعر أنني قد كُتب لي عمر جديد.

هنا لم يخطر ببالي شيء سوى معنى يأتيني كل رمضان. فرمضان مثل محطة وقود يتزوّد منها أحدنا لباقي العام؛ كيف نضيعه ؟ كيف تجازف بالموت عطشا ؟ .. كيف نمر بمحطة الوقود الوحيدة فلا نتزود ؟

وقد يكون رمضان هذا هو الأخير في حياة أحدنا ! أي أنه آخر محطة للتزود بالوقود قبل القدوم إلى الله. آخر محطة للتوبة والاستقامة وبر الوالدين و صلة الرحم والعودة للقرآن. يقول الله تعالى في سورة الذاريات: {ففِرّوا إلى الله إني لكم منه نذير مبين…}.
فاللهم اجعلنا من المتزوّدين في محطة رمضان ولا تجعلنا من الغافلين عنه.

معجزة المحطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *