هي نور في كل مكان

صداقة بطعم الثورة

نور هي اسم على مُسمى، وإذا تعرفت عليها في يومٍ ما فأنا متأكد من أنك ستتفق معي، لأنها ستكون دائما بالنسبة لك نبراس الأمل عندما تنطفئ روحك وتُحبط وتُسلم نفسك إلى براثن اليأس، خاصة حين ترى همومها التي لم تستطع أن تقتل داخلها الأمل في غد أفضل وتضعها أمام همومك التي تكون في الغالب في غاية التفاهة مقارنة بهمومها التي تثقل كاهل أي شخص، ولا أبالغ حين أقول لك أنها كفيلة من أن تقتله كمداً إذا استسلم لها.

لا أتذكر على وجه الدقة متى تعرفت على نور، ولكني أتذكر أني ألتقيت بها أول مرة في قسم فلسفة بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، وقتها هي من بادرت بالكلام معي حين رأتني أبحث بعيني في القسم عن شيء ما فسألتني “أنت من سوريا؟”، فأجبتها بالنفي، فاستطردت مُفسرة سبب سؤالها قائلة “أصل شايفاك عم تتطلع”؛ ابتسمت لها، وغادرت المكان دون أن أنبس ببنت شفة.

لم يكن الحوار المُقتضب هذا هو بداية صداقتنا، ولكن ترجع بدايتها حين وُصمتُ من زميلات لي بقلة الأدب، لأني أجبت على أستاذة لنا برد أثار حنقها هي وكل الزميلات اللاتي كن حاضرات في الموقف، كانت نور الوحيدة فيهن التي لم تغضب مُجاملة لأستاذتنا، ولم تنتظر أيضاً انتهاء المشكلة حتى تأتي إلي لتطيب خاطري، ولكنها هرولت ورائي بعد مغادرتي مكتب أستاذتنا ساخطاً لكي تقول لي “جدع أنك ما رديت عليهم”.

من هنا بدأت أتعرف على نور عن قرب، وساعدني في ذلك حسن الحظ الذي جعل نور تطمئن لي كصديق مثلما اطمأننت لها كصديقة على الرغم من أننا كنا على طرفي النقيض، فنور في عينيّ كانت الفتاة المُسالمة الهادئة التي قضت الحرب على استقرارها وأبعدتها عن وطنها وأسرتها رغما عنها، بينما كنت أنا في عينيها الشاب المُعارض الذي لايسلم أحد من جنونه وسلاطة لسانه ومقالاته التي كانت تنشر لي آنذاك في مجلة الحائط.

صورة تعبيرية

المفارقة هنا أن هذا الاختلاف لم يؤثر على صداقتنا، وإن كان سببا لتعجب الزملاء من ناحية، ولعلو صوتنا في كثير من المناقشات التي كانت تدور بيننا حول التغيرات السياسية والاجتماعية التي طرأت على الوطن العربي بعد ثورات الربيع من ناحية أخرى، كانت نور وقتها تتبنى نظرية “كنا مفروض نخلينا في حالنا…مالناش دعوة بالسياسة والناس الكبار..شوفنا ايه من الثورات غير القتل والتشرد والغربة”، ونظريتها هذه كانت تثير غضبي، فبمجرد ما كانت تتفوه بمثل هذه العبارات كنت أغضب أشد الغضب، وغضبي هذا كان يدفعني حينذاك إلى وصمها بالتخاذل والخنوع وخيانة دماء إخواننا في الإنسانية، واتهاماتي هذه كانت تثير حفيظتها هي الأخرى، فكانت ترد بأنني لم أتعرض إلى ما تعرضت له، فكنت أدافع عن نفسي وقتها بأن أقسم بأغلظ الأيمان لها بأني أتخيل نفسي في كل وقت وحين مكان من هم في قلب المعاناة، فكانت ترد عليّ بأن كل التخيلات التي من الممكن أن أتخيلها لا تُذكر أمام الواقع المُريع؛ ردها هذا كان يربكني ويجبرني على الالتزام بالصمت، لا لأني سلمت للإيمان بنظريتها ولكن حتى لا أغضبها مني أكثر من ذلك.

ولكن الآن وبعد أن ألقت نور بنفسها في أتون المعاناة وانقطعت سبل الحوار بيني وبينها، أقر وأعترف أني لم أتفهم نور حينها بسبب حداثة سني ونظري للأمور نظرة ضيقة، وأتمنى لو يعود بي الزمن للوراء حتى لا أتورط في توجيه الاتهامات الحمقاء التي كنت أوجهها إليها، ولكي أنظر للأمر من الزاوية التي تنظر هي إليها، حتى أستطيع تفهمها، وذلك لأن نور وإن كانت تحيا هي وأسرتها في وضع سيء قبل الثورة، فبعدها لم ترَ إلا الأسوأ، الأسوأ الذي جعل أفراد الشعب السوري بعد أن كانوا يعيشون على شاكلة معظم الشعوب العربية بين براثن نظام قمعي مستبد حياة مُستقرة (ما داموا يسيرون بجانب الحائط) مُعرضين إلى القتل بالرصاص أو بصاروخ طائش أو من شدة البرد والجوع أو من تهدم بيوتهم فوق رؤوسهم بين اللحظة والأخرى.

هي نور في كل مكان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *