غريزة البقاء

قصة قصيرة

ظن بأنه يشتري بالمال كل شيء… حتى أنه ظنّ بإمكانه تغيير القدر.. فهل ينجح المال بتغيير القدر؟

حُكِمَ عليه بالإعدام شنقا وأودع في سجن في جزيرة نائية تمهيدا لإعدامه، ولأنه مليونير اعتقد أنه بالمال قد يغير مصيره المحتوم، فقرر رشوة حارس السجن ليتم تهريبه من الجزيرة بأي طريقة.. وبأي ثمن… فأخبره الحارس أنّ الحراسة مشددة جدًا.. وأنه لا يغادر الجزيرة أحد إلا في حالة واحدة “وهي الموت“، ولكن إغراء الملايين الموعودة جعلت حارس السجن يبتدع طريقة غريبة للهرب، وأخبر المليونير السجين بها، وقال له: الشيء الوحيد الذي يخرج من هذه الجزيرة بلا حراسة هي توابيت الموتى، (يضعونها على سفينة وتُنقل مع بعض الحراس إلى اليابسة ليتم دفنها بالمقابر بسرعة).

سيتم نقل التوابيت غدا في التاسعة صباحًا… الحل الوحيد هو أن تلقي بنفسك في أحد التوابيت مع الميت الذي بالداخل وحين تصل اليابسة ويتم دفن التابوت سآخذ هذا اليوم إجازة طارئة، وآتي بعدهم مباشرة لإخراجك، وبعدها تعطيني ما اتفقنا عليه.. حينها اعود أنا للسجن وأنت تختفي من الوجود… فما رأيك؟

صمت المليونير لوهلة ورأى أن الخطة مُجازفة مجنونة.. لكنها تظل أفضل من الإعدام فوافق، فاتفقا على أن يتسلل لدار التوابيت ويرمي بنفسه بأول تابوت من على اليسار.. وفي اليوم التالي وخلال فسحة المساجين الاعتيادية، توجه المليونير إلى دار التوابيت فوجد تابوتين في البداية أصابه الهلع من فكرة الرقود فوق ميت لمدة ساعة تقريبا لكن مرة أخرى تنتصر “غريزة البقاء” .. فتح التابوت ورمى بنفسه مُغْمِضا عينيه، حتى لايصاب بالرعب وأغلق التابوت بإحكام وانتظر حتى سمع صوت الحراس يهمون بنقل التوابيت لسطح السفينة، وأخذ يشعر انه يتحرك خطوة بخطوة.. رفعت السفينة وأحس بحركتها فوق الماء وشم رائحة البحر حتى وصلوا اليابسة.. أنزل الحراس التابوت من السفينة وسَمِعَ تعليق أحدهم على ثِقَلِ هذا الميت الغريب فشعر بتوتر وخوف.. وتلاشى هذا التوتر عندما سمِعَ حارسا آخر يسخر من المساجين ذوي السمنة الزائدة.. فارتاح قليلًا.. وها هو الآن يشعر بنزول التابوت ثم صوت الرمال تتبعثر عليه، وبدأت تخفت ثرثرة الحراس شيئًا فشيئًا حتى أصبح مدفونا مع جثة رجل غريب وظلام حالك..

التنفس أصبح صعبا مع كل دقيقة تمر، وأخذ يفكر.. لا بأس، هو لا يثق بذلك الحارس ولكنه يثق بحبه للملايين الموعودة، هذا مؤكد.. انتظرَ..تَمَلْمل.. وبدأ التنفس يتسارع ويضيق، الحرارة خانقة.. بدأ يسعل.. الوقت يجري وذلك الحارس لم يأت بعد، سَمِعَ صوتا بعيدا جدًا.. تسارع نبضه.. لا بد أنه الحارس.. أخيرا.. لكن الصوت تلاشى.. صَوّرَ له خياله أن الميت يبتسم بسخرية.. تذكر أنه يمتلك ولاعة في جيبه، فأخرجها ليتأكد من ساعة يده.. فقد تأخر الحارس، أشعل الولاعة ورأى تسارع عقارب الساعة وازداد توترا.. وخطر له أن يرى وجه الميت التفت برعب وقَرّبَ الولاعة ليرى آخر ما كان يتوقعه في الحياة.. “وجه الحارس ذاته“…

غريزة البقاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *