اكتساب اللغة عند النظرية التوليدية التحويلية

علم اللسانيات التطبيقية

يشهد عصرنا الحالي تطورا ملحوظا في مجال اللسانيات التطبيقية، وإقبالا متواترا في الفروع المتصلة بها، ولعل هذا التقدم الملموس مرده زادا معرفيا ضخما، فهو العلم الذي يمثل جسرا يربط بين عدد من العلوم، متعدد المصادر والروافد، يستمد منها مادته لحل مشكلته التي يضطلع بها، حتى أطلق عليه un champ interdisciplinaire ؛أي حقل متشعب ومتشابك العلوم، ويمكننا في هذا العرض أن نقسم مصادر استعانة اللسانيات التطبيقية بمجموعة من الأسس الابستمولوجية منها علم اللغة، علم النفس، علم الاجتماع، علم التربية، ونخص بالذكر في موضوعنا هذا مصدر هام، ومرجع أساسي، استفادت منه اللسانيات التطبيقية بشكل كبير، والمتمثل في علم اللغة، الذي يوزع بين النظرية البنائية السلوكية، والنظرية التوليدية التحويلية، فالأولى ذات مرجعية نفعية، برغماتية، والثانية تحتكم إلى قواعد إدراكية عقلية، ترى أن اللغة هي أكبر نشاط ينهض به الإنسان، وخصيصته الأولى، ومن ثم يجب الوصول إلى طبيعة هذه اللغة، لاعن طريق المادة الملموسة، وإنما عن طريق القدرات الإنسانية الفطرية، لأن اللغة لايمكن أن تكون استجابة لمثير خارجي، لأنها ذات خاصية إبداعية، ومنه نفطن أن القطب اللغوي في صراع دائم بين البنائية والتوليدية، الشيء الذي دفع بتشومسكي لمحاربة وتحدي القانون البمفليدي، الذي يناشد بآلية الاكتساب، ويقصي المهارة الإدراكية، وتعززت صدمة البنيويين، وثارت دهشتهم بصدور كتاب البنى التركيبية، الذي أنكر من خلاله تشومسكي وجود نحو تصنيفي، وقاد ثورة علمية برز فيها أنموذج جديد للتفكير في اللغة، أفرز مجموعة من الإشكالات، وضمن الاهتمام بالجهاز الذهني الداخلي للمتكلم، بدل الاهتمام بالسلوك الفعلي. ومنه نتساءل :

ما مدار الجهاز الداخلي عند نعوم تشومسكي؟ كيف يمكن اكتساب ظاهرة توصف بالتعقيد انطلاقا من عوامل داخلية بدل المحاكاة الميكانيكية اليسيرة؟ إلى أي مدى ساهمت التوليدية في اكتساب اللغة الأجنبية من جهة، وكيف ساهمت في الدرس اللساني التطبيقي للمضي به قدما من جهة ثانية؟

إن البعد المؤسس لنظرية تشومسكي يتأسس على العقيدة الديكارتية المحضة، يقوم على نظرة عقلية تحدد نوع المادة وإجراءات التعقيد، تأخذ منهجا استدلاليا يرى أن اللغة لا يمكن أن تكون استجابة لمثير خارجي، بل هي خاصية إبداعية ليست آلية، إذ يكمن المصطلح الإبداعي في المحيط الذهني للمتكلم ذاته، هذا المحيط الداخلي ينعم ببنية فطرية جاهزة،تساعد الناشئ على اكتساب اللغة بطريقة خاصة، منفردة، وذلك عن طريق ما يسمى بالنحو الكلي الذي يوجد في دماغ كل فرد بالقوة، وكل البشر يتقاسمون هذا النحو الكلي؛ فالطفل يمتلك ضمن قدراته اللغوية الفطرية الأشكال العامة المشتركة بين كل اللغات الإنسانية ، و بما أن التنظيم اللغوي بالغ التعقيد فإنه يستحيل على الطفل أن يتعلم اللغة ما لم تتبرمج في ذهنه مسبقا معلومات تامة بقواعد كلية ، ومنه يرى تشومسكي أن اللغة الإنسانية تقوم على تنظيم منفتح و غير مغلق من العناصر، تتجلى جميعها في السمة الإبداعية عبر مقدرة المتكلم على إنتاج عدد غير متناه من الجمل لم يسبق له سماعها من قبل،و التي تعود إلى الجهاز الفطري المعطى، في علاقته مع النحو العام الوارد في ذهن الطفل ، فلا يتسنى له تركيب الجمل عبر مساعدة أمه، لأنه ذا مقدرة فطرية، نحوية، على التأليف اللامحدود، وهذه الأفكار المتجددة المتولدة لدى الطفل هي نتاج ثقافي خاضع لقوانين ومبادئ تختص بها اللغة جزئيا، وتعكس الخصائص العامة للفكر، ومنه تغدو اللغة حسب تشومسكي نظام من الرموز المعقدة، لا يتسنى للطفل في مراحل نموه الإمساك بهذا النظام المعقد، فكيف يتوصل الطفل في مدة زمنية قصيرة نسبيا إلى اكتساب لغته الأم؟ يرى تشومسكي أن اكتساب اللغة يتأتى عن طريق الكفاية اللغوية، أي معرفة الطفل بقواعد بالغة التعقيد يؤهله لتكلم اللغة، هذه المسائل المعقدة تندرج ضمن ما سميناه بالجانب الإبداعي في اللغة، وهي قدرة فطرية، تلقائية، يمتلكها كل إنسان لتكوين وفهم عدد لا متناه من الجمل في لغته الأم ، بما فيها الجمل التي لم يسمعها من قبل ، وكل هذا عند الإنسان بطريقة طبيعية، دون شعور منه بتطبيق قواعد نحوية صارمة ، فالسائد أن الطفل يحاكي محيطه لتعلم اللغة، لكن هذه نظرة سطحية، سلوكية، نفعية، بعيدة تماما عن الظواهر الفطرية المستترة الخالقة للنظام اللغوي، تترجم في الأداء الكلامي الذي يخفي وراءه كفاية لغوية، ومعرفة ضمنية بقواعد اللغة، فلا جدال فيه أن للتجربة والملاحظة أهمية بارزة في اكتساب اللغة، إلا أن البيئة توفر فقط المادة التي سيتم عبرها تقييم الفرضيات، مما يؤدي عند الطفل استبعاد الفرضيات الغير الملائمة، واستكمال قواعد اللغة في الذهن، فالطفل ليس مستهلكا للغة، ولا محاكيا لها، بل متفاعلا مع الأنماط المقدمة إليه، و من ثم يقتصر دور الأسرة فقط على تسهيل و تيسير عملية التعلم، عبر عرض أنماط جاهزة تساعد الطفل على تقبل المعلومات اللغوية وتفهمها،، وتطوير ملكته الذاتية، وتنميتها في ما يتعلق بالخصائص المميزة للغة محيطه، و ليس دور الأسرة هو تعليم اللغة، لأن الطفل سباق لهذا، وعلى استعداد تام لممارسة هذه الملكة، وإلا لما أدرك الطفل الاختلافات القائمة بين الفونيمات في لغة الكبار، وبتمييزها في وقت ليس قادرا على إنتاجها، و من ثم يظهر مفهوم الجملة عند الطفل في صورة مبكرة، يعكس الاستعدادات اللغوية المحددة التي يتزود الطفل ببعضها بصورة فطرية، والتنظيم اللغوي الذي يتدرج الطفل في استعماله في مختلف مراحل نموه لا يمكن اعتباره نقلا عن تنظيم الكبار أو محاكاة له.

تطور اللغة ونشأة “اللغات الوطنية” في مقابلة مع نعوم تشومسكي

وجملة القول إن المهارات اللغوية لدى الطفل لا تنمو بالتقليد والاتباع، بل بالتزام مبادئ عامة يقيسها الطفل على تنظيمه اللغوي، وهذه العملية-الاكتساب اللغوي- مرتبطة عند الطفل بأهلية النمو العقلي وتعرفه على لغة محيطه، فكل صاحب لسان ولد فيه يجيد الحديث واستظهار قواعده دون تلقين في مدرسة أو معلم، ودون تمرين تطلب منه ، لهذا قال تشومسكي : “ربما لا يعود استمرار البقاء لو كان التعليم يقتضي بطبيعته كثيرا من الترداد الذي يميز غالبية الأساليب” ، ونجد دائما أن تشومسكي يرى أن التعليم والتدريس اللغوي هو نظام من الجهل الإجباري، لا يتأسس على مقومات إدراكية ، عقلية، تفاعلية، بل يركز على الطرق التقليدية البرغماتية، لأن الطفل ليس عقله ورقة بيضاء، وذهن فارغ، كما يزعم السلوكيون، و من خلال التعميم و الأقران يكتسب اللغة، بل هو ينعم ببنية معطاة بصورة مسبقة، ينتج بها بنى دون النظر إلى لغة الطبقة الاجتماعية المنتمي إليها ، مما يحث أن لغة الطفل في مرحلة نموه يتكلم لغة خاصة به ، لغة متمايزة عن لغة الكبار .

حاصل ما سلف ذكره، يتبين أن تشومسكي قاد ثورة فعلية ضد النزعة السلوكية فيما رسخته حول اكتساب لغة الإنسان، ليبصم نظرة خاصة، قوامها العقل و الإدراك، و أساسها النزعة الفطرية للقواعد النحوية المشتركة، و التي عدت حجز الزاوية في بناء معالم النظرة التشومسكية حول اللغة، بيد أن تشومسكي أقر على وجود علاقة وثيقة الصلة بين اكتساب لغوي جديد وبين اللغة الأم، ومنه قال حافظ اسماعيل :”البحث اللساني التوليدي في الثقافة العربية مازال يفتقد إلى كثير من شروط الانسجام و التكامل “. و منه نتساءل : ما دور اللغة الأم في اكتساب و تعلم اللغة الهدف ؟ ما قيمة النحو الكلي الفطري في ظل إجبارية تعلم نظام نحوي خاص باللغة الهدف؟
وتبقى النظرية التحويلية تكتسي محطة هامة في تاريخ اللسانيات التطبيقية، لما مدته من تصورات جديدة، وزكته بمنظور عقلي استدلالي، مستبعدة النزعة البرغماتية للسلوك العام.

اكتساب اللغة عند النظرية التوليدية التحويلية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *