ليس علينا أن نبوح

الحلم حق للجميع، وكتمانه واجب

يحتارُ المرء عما يجب أن يخطه على الورق، عما يجب أن يفصح عنه، أو عما إذا كان ما يجول بخاطره ذا معنى أم مجرد أضغاث أحداث يومية. إلا أن الإفصاح للورق يظل أسهل من الإفصاح لأحد ما؛ نحن بذلك قد نقترف خطيئة لا تغتفر. فهل يحق لنا دائما أن نبوح؟

فنحن عندما نبوح نشعر بالنقص، بنوع نادر من الضعف. يحدث ذلك خصوصا إذا حدث أن شاركنا أحلامنا وطموحاتنا للمرة الأولى؛ عندما يمتزج الحماس بالفرح وبقليل من الخوف. بعد ذلك نحس وكأننا قمنا بالتخلي عن تلك الأفكار التي تشكلت بعد زمن طويل، آمالنا التي أصبحت قطعة منا، روح ثانية تؤنسنا في الطريق، ملجؤُنا الصغير عندما تقذف بنا الحياة نحو زاوية مظلمة. تركناها تعبر الهواء نحو مصير مجهول. يوجد منا من يملك فقط ذلك الأمل بأن يحقق شيئا ما، فأحلامنا الكبيرة لا تولد فجأة؛ هي تتشكل ثم تتبعثر ثم نعيد بناءها دون أن تفقد أساسها أو الهوية التي نريد أن نحظى بها من خلال الحلم. هي تظهر بصورة واضحة تماما عندما يصبح الانسان مدركا فعلا لما يود أن يسعى من أجله، فيحمل رضيعه معه؛ ويعتني به جيدا إلى أن يكبر. وفي نهاية المطاف هناك من سيحالفه الحظ بأن يتحقق حلمه وهناك من سيستمر بالعيش بدون حلم أو سيتبنى رضيعا آخرا. نحن لا تهمنا النهايات بقدر ما يهمنا أن نعرف أسباب التخلي والتوقف عن المحاولة.

الحلم
صورة تعبيرية

عندما نختار أن نخرج مكنوناتنا للوجود، تغادرنا تلك الروح المؤنسة؛ فالآن لم نعد الوحيدين الذين يعلمون بأمرها. هي لا تحب المشاركة وتتغذى على الكتمان. تكون حرة طليقة، يمكن أن يغير فيها الإنسان وأن يبدل ولا أحد يمكنه أن يخبره أن ما يطلبه صعب المنال. هو الحلم خاصته، ربما مساحته الوحيدة للاختيار والورقة البيضاء مع القلم حيث يطلق عنان أفكاره. يمنحه ذلك شعور التفرد، مثالية حلمه تكفي بأن تضفي بريقا بين الحين والآخر على واقعه الرمادي وأن تبعث فيه نفسا جديدا للمضي قدما والسعي بعد كل الانتكاسات التي تصادفه. تلك الروح الطليقة تفقد بوصلتها ما إن نقرر أن نشارك حلمنا، يصبح طموحنا محدودا بعد إذ كان الكون لا يتسع له، نبدأ بالتفكير أنه من الممكن أن نكون قد أسرفنا بعض الشيء في التمني، وتبدأ الشعلة في الابتعاد. نكون بذلك قد خسرنا ذلك الحيز الصغير مع أنفسنا ونصبح في خشية من أن نحلم أو أن يتخطى الحلم ما لم يستطع الآخرون فعله. نضع له قالبا في حين أنه لا يجب أن يحده شيء؛ ثم نبخس الناس أحلامهم فقط لكوننا لسنا على قدر ذلك.

في واقعنا الحالي وأخبار أغلبها مقلق ومخيف؛ حلمك هو من يأخذ بيدك بعيدا عن كل ذلك. هو من يبعثك من جديد لتتم مهمتك. ونظرا لفضله الكبير عليك، ستتساءل عن الطريقة التي يمكنك من خلالها أن ترد الجميل. ولا يحدث ذلك إلا بحمايته من زلات اللسان.

من الأسباب التي تجعلنا لا نمر إلى مرحلة الفعل بعد مشاركتنا الآخرين طموحنا ما له علاقة مباشرة بتقييم الآخرين له بعد ذلك. وفي الطب النفسي يرجع ذلك إلى سبب واحد في الغالب: عندما تخبر أحدا ما أنك تود أن تحقق هدفا معينا تتشكل عنده هويتك الجديدة، أنت تعلم الآن أنه قد بدأ يفكر بك على أساس ما رويته له. يمنحك ذلك شعورا إيجابيا عند الوهلة الأولى، ولكن ما إن قررت أن تستمر في رحلتك حتى تتساقط عليك كل أنواع الخمول والكسل. فبالنسبة لطريقة اشتغال العقل، أنت الآن قد بلغت خط النهاية وحققت ما سعيت لأجله والواقع أنك لم تبدأ بعد. يكون ذلك كفيلا بأن يستنزف جزءا من جهدك، مما يقلل احتمال أن تبدأ بالفعل لتصل إلى مرادك.

يقول دوغلاس ايفرت وقد كان كيميائيا بريطانيا وكاتبا: “هنالك أناس يعيشون في عالم من الأحلام، وهنالك من يواجهون واقعهم، ثم نجد أولئك الذين يحولون أحلامهم إلى واقع”. وكيفما كان موقع الإنسان من بين تلك الأصناف الثلاثة، يجب أن يكون ذلك بمحض اختياره، كون الحلم حق للجميع على أن يكون كتمانه واجبا.

ليس علينا أن نبوح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *