هاجس المكانة الاجتماعية

ما لك سيصلك ولو بعد حين

تأمل الحياة ومجراها وسكانها، عقولهم وتحركاتهم ونواياهم، ستجد أن الارتقاء في السلم الاجتماعي أصبح هاجسنا ومبلغ همنا الذي نريد أن نصبو إليه، لقد صار هاجسا مدمرا للاستقرار النفسي، ذلك لأننا أغرقنا أنفسنا في الصورة والمثالية الحالمة.. لقد أصبحنا نعيش الآن ما يسمى بقلق المكانة الاجتماعية، قلق من عدم تحسين مكانتنا داخل المجتمع، قلق خبيث يجعلك قادرا على تدمير حياتك وهدوءك ..، هو خوف من الفشل في مسايرة معايير النجاح التي سطرها المجتمع والاقارب والزملاء لنا، يمكن أن نتجرد في هذا الفشل من شرف المكانة والاعتبار.

خوف دافعه الأساس أنك تحس بتواجدك في اللحظة الراهنة في درجة كبيرة من التواضع، وربما تسقط في قادم الأيام في درجة أقل من ذلك .. قلق يزيده بؤسا نجاحات غيرك، نجاحات لا تعرف تبعاتها ولا حقول الألغام التي مر بها أصحابها حتى وصلوا لها..

لكن الأدهى من كل هذا وذاك أن هذا الهاجس مرفوق بمرض أخبث منه؛ لنسميه “متلازمة الحسد”، بالفعل إنها متلازمة لمن سكنت دواخله، متلازمة لها ما لها من الصور الظاهرة .. نظرة هموم، ابتسامات زائفة وخافتة، وأحاديث مسترسلة طويلة عريضة كمجلد فلسفي على رف مكتبة عتيقة يكسوها الغبار عن أخبار شخص حقق إنجازا ما، وحَبْكُ رواية بوليسية تضم تحقيقا دقيقا عن ظروف وملابسات وخبايا هذا النجاح.

أصبحت صورتنا متوقفة على مدى إعجاب الناس بنجاحنا او مدى مقتهم لما حققناه. ننظر لأنفسنا بخزي وإلى الناجحين بمرارة، نشعر أنه كان بإمكاننا ان نكون شيء آخر غير الذي نحن عليه الآن. شعور نزرعه في أنفسنا بتعرضنا لمنجزات من نراهم مساويين لنا..
فقداننا للمكانة الطبقية يجعلنا نتوارى عن الأنظار، نحس وكأننا النكرة وغيرنا الأعلام. وبالتالي نسعى لكسب المكانة والارتقاء في السلم الاجتماعي كي نُلاحَظَ، كي يشعر الآخرون بوجودنا وقيمتنا، لنصبح محط اهتمام وعناية ..

لما كل هذا الهوس، هل لتحسين الوضع الاقتصادي، أم لإثبات الذات، أم لتحقيق آمال من علقوا آمالهم علينا، أم عنادا فيمن سبقونا في الارتقاء؟!.
أيا كان السبب فالنتيجة ذاتها، هوس مرضي مشترك اجتاح المعظم منا..
في نهاية الأمر نبقى كلنا أفرادا بهوية متميزة ومختلفة، لا بأس في الطموح الكبير، بل حبذا لو كان حاضرا لدى الجميع، المرير في الأمر هو أن نجعل هذه الطموحات هاجسا يفقدنا السلام الداخلي الذي لطالما عشناه، المرير هو أن نجعل نفسنا في كفة ميزان مساومة مع البقية. مهما كان الخوف من عدم كسب مكانة اجتماعية مزعجا، إلى أنه يصعب تخيل حياة طبيعية تخلو منه تماما..

المكانة تكتسب بالجد والاجتهاد والصبر، لا بالحسد والهوس، فالحصول عليها صعب والأصعب من ذلك هو حفاظك عليها إذا فقدت في طريقك هذا أخلاقك. لا تدخل حلبة صراع مع نفسك .. لا تبقى أسيرا لهواجسك ولا تستنفذ طاقتك في لوم نفسك، جميل هو انتقادنا لأنفسنا لكن من أجل بنائها لا هدمها، فكر في الحاضر واعمل عليه، ودع المستقبل للغيب..ما لك سيصلك ولو بعد حين.

هاجس المكانة الاجتماعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.