التأمل في الخوف

الخوف لنا وعلينا

بُعَيد العاصفة جاءتني رغبة في التجول في شوارع الرب تحت قطرات المطر، قطرات المطر التي تداعب كينونة روحك وترتقي بفكرك وتجعله صافيا ولا يمكن أن تقاوم حينها رغبة التفكير والتأمل… التأمل في هذا الملكوت والوجود، التأمل في من خُلق على هذا الوجود من البشر والقطط والكلاب والعصافير الخائفة، والكائنات التي ترانا ولا نراها ولكنها ترغمك على الإيمان بها.

وفي حين أنك مرغم على هذا الإيمان، فلا بأس أن تجعل فكرك مرغما على التأمل؛ لا ضرر في أن نتأمل في ما لا نرى فهناك فرق بين من تأمل ومن نظر وانبهر، حتى أننا حينما نرى فننبهر أو نصاب بالصدمة فهذا لا يعني أننا قمنا بفعل التأمل لأن هذا الفعل عال ومتعال يجعل فكرنا يصبو إلى مرحلة الصعود إلى سدرة منتهى الشك والبحث عن اليقين في جنة تأمل العالم النوراني المحاط بالفكر. ولأتم وصف تجوالي، خرجت من غرفتي فصادفتني فرقة موسيقية لِكناوة؛ رغم المطر الغزير فإنهم يغنون، ارتفع صوت موسيقاهم وانخفض ثم غاب!! أكملت طريقي في دروب مراكش مدينة الضحك والبكاء، ثم صدمني شاب في أجد الشوارع لأنه لم يكن منتبها لما يجري أمامه فقد كان يراقب فتاة أخرى تسير أمامي؛ قال : اه، آسف…!! أضحكني منظره؛ لا أعرف السبب ولكن كان الأمر مضحكا.

واصلت سيري، الكثير من المشاة مسرعون، حاولت أن أقرأ وجوههم بحذر وسرعة لأنهم كانوا مسرعين، بعضهم يبتسم وبعضهم يعبس وبعضهم ملامحه جامدة كأنه لا شيء يحدث، هل حقا نمر بمرحلة من حيواتنا نكون فيها لا شيء؟ هل يمكن أن نكون اللاشيء؟
كلهم كان يجمعهم شعور واحد هو أنهم خائفون، خائفون من شيء ما، بعضهم خائف من أن تدوسه سيارة والآخر خائف على هاتفه وآخر خائف أن لا يلتقي خليلته هذه الليلة، وطالب خائف من أجل مستقبله متردد شيئا ما حيال دراسته…! الكل خائف من نفسه، ربما أنا أيضا كنت خائفة منها، خائفة من أن أجادلها، أن أناصفها، أن أعاتبها، هي نفسي إن قلت لها لا وعاتبتها فأنا أطعنها وأطعنني؛ لم نخاف من مواجهة أنفسنا؟ ما السبب الذي يجعلني نخاف أنفسنا؟
هذا الخوف من نفسي سيمتد ويجعلني أخاف الآخر أخاف أن أواجهه…

التامل-في-الخوف
صورة تعبيرية

ثارت داخلي تساؤلات عديدة، لم نخاف؟ هل الشعور بالخوف ضرورة لا يمكننا الابتعاد عنها؟
الرغبة تأتي من خلال الخوف قد يشكل دافعا أو قد يشكل عائقا قد يكون حافزا؟! ولكن خوفنا من مواجهة ذواتنا، من محاكمتها ومن معاتبتها يشكل عائقا وحاجزا للسمو بها لأجل خلق ذلك الإنسان الذي يعيش مبدأ العلي والرقي، الذي يرى العالم من الأعلى من قمة جبل…

في ما مضى عمل مجموعة من الفلاسفة على تحرير الإنسان من خوفه لأن هذا الخوف من أقرف الرذائل عند سقراط وأبيقور وسينوزا وكانط وهيكل ونيتشه… كل واحد من هؤلاء الفلاسفة أراد أن يحرر الإنسان من العبودية والجهل والخرافة والاتكال. ولكن، كيف يمكن أن تتحرر من هذه الأمور حينما تتحرر من الخوف؟ من الخوف من مواجهة نفسك حينما تشرب قهوتك وتصغي إلى فكرك؟

حينما تصغي إلى أفكارك حينها لا تكون خائفا، حينما تتأمل تغرق في فعل التأمل، لا تخاف لأن تأملك سينتشلك من الجهل والخرافة؛ حينما تتأمل لن تتكل على أحد، ستتكل على فكرك وحينها ستعرف أنك لن تخاف لأنك أنت، أو بمعنى آخر أنت لا شيء؛ حينما تصرخ بفكرك حاول أن تكون لا شيء، حينما تواجه الحياة كن لا شيء، حينما نكون لا شيء ينطبق علينا المثل المغربي “ريحة ولا طبحة”وأنا هنا لا أقصد أن قولة “الغاية تبرر الوسيلة” لأن من لا يخاف يعرف كيف يصنع الوسيلة، الوسيلة التي لن تخلق للآخر الخوف؛ إذا أردنا أن نطرد مخاوفنا يجب علينا أن نواجه ]أي شيء ينذر بالموت ويجب أن نتأمله.

التأمل في الخوف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *