نظرية إسلامية عن البيئة

تعاليم إسلامية من أجل الحفاظ على التوازن الإيكولجي وحماية الموارد الطبيعية

قبل أن يدق علماء الإيكولوجيا أجراس الخطر الداهم الذي يواجه البيئة في النصف الثاني من القرن العشرين، حذر الله عز وجل الإنسان الذي كان ويزال ظلوما جهولا لنفسه ولغيره بدافع أنانيته وشراهته للملك والمصلحة الذاتية، يقول تعالى : (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [سورة الروم/الآية : 41.]

فقد تنبأ القران الكريم بما أصاب الأرض ببرها وبحرها من تلوث وفساد، وقد فسر بعض العلماء كلمة الفساد الواردة في الآية الكريمة بمفهومها المعنوي فقط، فقالوا إن المقصود بـ”ظهر الفساد” ظهور الحقد والحسد والطمع والظلم، وفسر آخرون الفساد بمعناه المادي فقالوا أنه الجدب والقحط وكثرة الحرق والغرق ومحق البركات من كل شيء وقلة المنافع وكثرة المضار.

ويجب الإشارة على أن كلمة “الفساد” في الآية الكريمة يجب أن تؤخذ على إطلاقها وتفهم بمفهوميها المادي والمعنوي معا، فلا يوجد مايبرر تقييد معناها أو قصرها على المفهوم الأول دون الثاني، فالفساد قد ظهر بالفعل واضحا في البحر بالذات حيث أصبحت البحار مستودعا لقاذورات العالم وألقيت فيها مختلف نفاياته وعوادمه مع ما بها من مواد ضارة وسامة بالإضافة إلى المخلفات النووية رغم ما في ذلك من خطورة بالنسبة للكائنات البحرية الحية ولسكان السواحل والمصطافين فضلا عن شعوب البلاد التي تعتمد على مياه البحار في الشرب والاستخدامات المنزلية الخ.. والأهم من ذلك هو تعرف التوازن الغازي في العالم لخطر كبير فيما لو استمر إفساد البحر حتى هلكت كائناته الدقيقة التي تمد العالم بحوالي ثلاثة أرباع الأوكسجين الموجود على سطح الأرض.
إن ماجاء بنهاية الآية الكريمة (لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) قد تحقق فعلا في العصر الحديث بصورة واضحة وجلية إذ يحاول الناس في أغلب بلدان العالم وبشتى الوسائل الرجوع عن إفسادهم للطبيعة بوقفه أسبابه ومحاولة علاج ما أصاب البيئة من تلوث وذلك بعد أن ضاقوا من الإضرار الصحية والنفسية والمالية الكثير.
لقد خلق الله سبحانه وتعالى الأرض في يومين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [سورة البقرة/الآية : 30]، مبينا جل جلاله للملائكة أنه فضل الإنسان واستخلفه في الأرض –دون الملائكة- بالعلم الذي علمه له وطلب سبحانه وتعالى من الناس أن يعمروا الأرض التي خلقوا منها فقال لهم جل شأنه على لسان نبيه عليه السلام : (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) ونهاهم عن الإفساد في الأرض فقال لهم: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) [سورة الأعراف/الآية : 56].
فاستعمار الأرض بإصلاحها وعدم الإفساد فيها هو بيت القصيد ومعنى هذا أن يحافظ الإنسان على النواميس الكبرى التي وضعها الله سبحانه وتعالى لحفظ التوازن البيئي الذي أقيم بدقة لا متناهية وإبداع وإحكام منقطع النظير، قال تعالى : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [سورة القمر/الآية 49: ]، و قال سبحانه: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [سورة الفرقان/الآية : 2].

وبالرغم من ذلك مازال الإنسان اليوم غير ملتزما بالتعاليم والأحكام الربانية، قال تعالى : (وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [سورة البقرة :الآية 205]، فمستقبل الأرض أمانة في عنق الإنسان لأنه في الواقع هو المسؤول عن الإخلال بتوازن البيئة الأرضية ومازال حتى الآن يدمر بيئته ويقودها إلى حافة الفناء بدلا من الاستثمار في الأرض واستغلال مواردها الطبيعية دون تبديدها، يقول عز وجل : (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) [سورة الأعراف/الآية : 10] ويقول سبحانه وتعالى : (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) [سورة الحجر/الآية : 20].
إن الدين الإسلامي يزخر بالنصوص والتعاليم التي تستهدف حفظ التوازن الايكولوجي في الكون والحياة والتعامل الرشيد مع الموارد الطبيعية بالابتعاد عن الإسراف والتبذير، فقد كان الإسلام سباقا لوضع ضوابط حماية البيئة من التلوث والحفاظ على الحياة البرية، يقول الرسول ﷺ : (لا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ في المَاءِ الدَّائِمِ) وقال أيضا عليه أفضل الصلوات : (اتَّقوا الملاعنَ الثَّلاثَ البَرازَ في المواردِ وقارعةِ الطَّريقِ والظِّل) فالتعدي على الحياة البرية يتناقض مع تعاليم ديننا الحنيف ويخل بواجب من واجباته الشرعية كما يجب علينا أن نلتفت إلى سبق الإسلام في الحث على وضع المحميات الطبيعية التي لم يتفطن العالم لضرورتها إلا مؤخرا، إذ أن أول محمية طبيعية في التاريخ هي مكة المكرمة التي جعلت مثابة للناس وأمنا لهم التي تجلت مظاهر الحماية فيها في النهي عن قطع النباتات ومنع التعدي على الحياة البرية في الحرم وتنفير الطيور وتوقيع الجزاء على كل من تجرأ على القتل أو الصيد في الحرم، وهو ما جرى عليه نظام المحميات الطبيعية مؤخرا.

إن العلاقة ضيقة جدا بين الإنسان والطبيعة، أي بين الإنسان والكائنات، فلا بقاء للنوع الإنساني بدون بقاء لهذه الأنواع، ومن ثم كان من اللازم أن يحافظ عليها لضمان بقائه واستمراره، فقد ورد في قصة الطوفان أن الله تعالى أمر سيدنا نوح عليه السلام أن ينقذ كل المخلوقات، وورد في الإنجيل ” ليحافظ على السلالات الحية على سطح الأرض “، وقال عز وجل : (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) [سورة هود/الاية : 40]، ونفس القصة نجدها في التوراة أيضا المتمحورة حول الصلة الضيقة بين الإنسان والطبيعة، فقد كان البشر مفسدين مخربين، فأوقعوا الحياة بإفسادهم في خطر، فصمم الله على إقصائهم من على وجه الأرض إلا واحدا طيبا قرر إنقاذه مع الطبيعة أي مع زوج من كل نوع من أنواع الكائنات الحية، إذ أن هناك ازدواجية في الصلة بين الإنسان والطبيعة، فمصير الإنسان ومصير الطبيعة مرتبط يبعضهم البعض.
إذا كانت الحضارة المعاصرة قد اقتنعت بأن السعادة تعني الاستهلاك اللامحدود لمختلف الثروات المؤدي للضغط الكبير على الموارد الطبيعية، فقد أن الأوان ليتفطن الإنسان لكونه مطالب بأن يتعامل مع بيئته من منطلق أنها ملكية عامة يجب المحافظة عليها وإذا كان الله عز وجل قد سخر المخلوقات والطبيعة من الذرة إلى المجرة لخدمة الإنسان الذي كرمه بأن جعله سيدا عليها، بل وخليفة في الأرض فان هذه الخلافة مقيدة بشروط وقوانين، قال تعالى : (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [سورة البقرة/الآية : 60].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.