أهمية الخصائص الإنسانية في استمرار الأنظمة السياسية

المشروع الإسلامي نموذجا

جريا على قاعدة كونية فحواها أنه كلما اشتد الظلام حتما سيبزغ نور الفجر، فالمسألة مسألة وقت فقط، والعالم على ما بلغه من تقدم وازدهار _والواقع شاهد على العصر_ في شتى المجالات، إلا أنه لا يمكن أن يستمر على ما هو عليه سواء قلنا بذلك عن طريق الدلالات النصية أو عن استنتاجات تاريخية نعيشها لأن الأنظمة التي تقود العالم الآن على قبضة من حديد وخاصة الرأسمالية التي جردت الإنسان من محتواه الحقيقي وعن الخصائص الطبيعية التي منحه الله إياها فصار الإنسان في يدها كقطعة طينية قبل يبسها تفعل به ما تشاء، تارة تصنع منه آلة يخدمها بشكل هستيري وتارة أخرى تعتبره حيوانا يجري وراء غرائزه الجنسية.

وعلى هذا فالحياة لا يمكن أن تستمر حالما دمرت الخصائص الإنسانية، إذ أن الحياة اليومية الآن سهمها قوته وتربو يوما بعد يوم في تدمير خصائص الإنسان، وإن كان هذا السهم لم يصب فريسته بشكل جيد إلا أنه استطاع على الأقل اتقاء السهم المضاد له مباشرة أو عبر الموالين له من الخونة وإن كان ذلك بشكل جزئي.

وهذا الأمر (تهديد خصائص الإنسان) ليس جديدا في تاريخ البشرية بل هو ضارب في أعماق التاريخ، إلا أنه لم يكن بهذا الشكل حيث بلغ التهديد ذروته مقارنة بالتهديدات التي عرفتها البشرية من قبل، ومهما يكن من شيء فإن رياح أو ريح التغيير بدأت تستشعر من جديد لأنه كلما كانت الحياة الإنسانية وخصائصه معرضة للتدمير وقع التحول بطرق خفية مجهولة الأسباب في الوقت الذي تقع فيه لأن استمرار الحياة مرهون بالمحافظة على الخصائص الإنسانية، وطالما هذه الأنظمة لم تعر لخصائص الإنسان أي اعتبار فحتما قد آن زوالها، لكن البديل لا نستطيع التنبؤ به الآن لذلك عبرت بريح أو رياح التغيير اقتداء بالتعبير القرآني الذي يعبر بهذين اللفظين كل في موضعه وسياقه، لكن أحيانا تكاد تصاب بالجنون حينما ترى أو تسمع أو تقرأ لمن عقد آماله في هذا التغيير على الماركسية أي على المادية الجدلية، ولكن يبقى هذا مجرد أضغاث أحلام لأنه إن كان هذا هو البديل الذي نعلق آمالنا عليه فلن يزيدنا إلا دمارا فوق دمار.

أهمية-الخصائص-الإنسانية-في-استمرار-الأنظمة-السياسية
صورة تعبيرية

كما لا ننسى أنه كانت هناك عدة محاولات كان الغرض منها وضع “أيديولوجية” تعادي الأيديولوجيات السابقة بحيث تجد فيها البشرية غناء ومخرجا من الأزمة الخانقة التي تتخبط فيها حاليا لكنها باءت بالفشل لكونها سطحية وجزئية لا جذور لها في الفطرة البشرية، ولو حلق الإنسان في سماء التاريخ بأزمنته الثلاث مع الإنصاف لن يجد إلا المشروع الإسلامي هو المشروع الوحيد المخول له على المستوى العالمي أن يخرج الإنسانية من هذه الكبوة التي سقطت فيها، فهو من الناحية التاريخية الذي جعل الأمة الإسلامية أمة حقيقية مجتمعة بعد ما كانت عبارة عن قبائل وأفراد متناحرة فيما بينها وهذا يبقى من خصوصيات هذا الدين عكس ما يقوله بعض علماء علم الاجتماع بأن المجتمع له مكونات مثل اللغة والجغرافيا والثقافة… إن وجدت وجد وإلا فلا، لكن هذا الطرح تلفيه متخلفا في الجزيرة العربية آنذاك فرغم وجود هذه المكونات إلا أنه ظل مشتت الشمل لولا مجيء الإسلام وأمرهم بالاعتصام بحبل الله جميعا، ومهما يكن من شيء فإن النظام الإسلامي جعل الأمة ترفرف بجناحيها فوق جميع الأمم لأكثر من عشرة قرون وذلك بعد أن كان العرب همجا لا وزن لهم في التاريخ وبعد أن كانت شعوب الشرق مقهورة من طرف الرومان والفرس. أما المشروع الإسلامي من الناحية الدينية يزداد الانتماء إليه ولا ينتمي إليه إلا النبغاء عكس الذين يتخلون عنه تجدهم أراذل القوم، كما أنه يمتد داخل البلاد الغربية ذاتها حسب الإحصائيات، الأمر الذي نتج عنه ظاهرة الإسلاموفوبيا التي جاءت كردة فعل لما يحرزه هذا المشروع من تقدم وملء للفراغ الذي تركته المسيحية بعد ما همشتها العلمانية والفلسفة الوضعية.

كما أن النظام الإسلامي على المستوى المدني فهو مالك المستقبل فكل نماذج التحديث الغربية قد سقطت كالنازية والفاشية والشيوعية التي كان يقال عنها جنة “ماركس” إلى أن جاءت الرأسمالية المتوحشة وأدخلت العالم الغربي في نفق مظلم لم يخرج منه إلى يومنا هذا وظن أنصارها أن سيرورة التاريخ ستقف هناك. أما من الناحية السياسية هو المالك للمستقبل لأن الفلسفات الغربية قد أصابها الإفلاس والعلمانية، ضخمت من قيمة الإنسان وأحلته محل الله في كل شيء، الأمر الذي أدى إلى ظاهرة الإلحاد. فالعالم الآن كما هو معروف يمر من أزمة وبائية أظهرت ضعف الإنسان في أضعف الأشياء لكن علينا أن نقرأ هذا الوباء من زاوية أخرى ولا ننظر إليه على أنه أزمة عابرة بل الأمر أدهى من ذلك؛ ينبغي أن نتعامل معه على أنه نقطة فاصلة في تاريخ البشرية، فالعالم الآن ليس هو العالم بعد هذا الوباء “كورونا” إذ من الضروري أن هناك أنظمة سيعاد تشكيلها وموازين القوى ستتغير كما أنه ستكون هناك خسائر مهولة وغير مسبوقة، وهناك دول ستصعد وأخرى ستتراجع، من هنا يبدو أن الرأسمالية الجائرة التي كان يعتقد أنها نهاية التاريخ لم يوفق أصحابها في هذه النظرية، ومهما يكن من شيء فإن عدالة الله ستتحقق حتما ليظهره على الدين كله عاجلا أم آجلا، ولا أظنه إلا عاجلا إن شاء الله.

أهمية الخصائص الإنسانية في استمرار الأنظمة السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *