حب في الحافلة

حب من أول نظرة

عصفت الجميلة بقلبي حين انتبهت لانعكاس صورتها على زجاج نافدة الحافلة، حطمت الفاتنة فؤادي عندما ظهرت فجأة أمامي دون استئذان، وأنا الذي كنت غارقا في سهو لا أعلم سببه أتأمل ماسورة المياه هناك في أعلى الجبل وحصن أعمدة الكهرباء المحيطة بها؛حيث تبدو وكأنها تحرسها.

انبهرت من رقة الجميلة مع أنني لم أبصر سوى الجزء الأيسر من وجهها المميز بحمرة خدها المتورم، لكنه كان كافيا ليوقع بي في عنفوان عشقها، وكأن القدر ساقها إلي عنوةً لتربك قلبي الذي تاب عن الهوى.
في قانون النظرات والتأملات البصرية، النظرة الأولى لك والثانية عليك، أما أنا فلم أكن بحاجة لنظرة ثانية لأن الأولى أسرت عيناي وغلتها بسلاسل يستحيل معها النظر لغير الجميلة في الحافلة.

أنيقة هي، سرعان ماوجدت مكانها في قلبي دون أن تعلم بذلك ودون أن تبذل أدنى مجهود، فرحت فرحة الصغار ربما لأنني لم أواعد مند مدة نسيت بطولها مشاعر الحب.
قلت اليوم وجدت ضالتي لكن الحاجز بيني وبين الجميلة هو كيف أبوح بما في داخلي؛ لست شجاعا بما يكفي لهذه المهمة، سأترك الأمر للصدفة، لترتب لنا موعدا كما تفعل مع أبطال الأفلام الرومانسية.

في لحظة عاد معها رشدي على أنغام أغنية أمازيغية كنت أستمع لها قبل أن أركب الحافلة، يقول المغني في مطلعها “اورغوري افود ارشاي” قمت بإسقاط تامذيازت هاته على الموقف الذي وضعني قلبي فيه، تبين أنني لم أعد قادرا على ملاحقة أريج الفاتنات ولا على تحمل تابعات الكِلف والتَتَيُم وكأنني كهل تجاوز الثمانين من عمره وإن كانت خاصتي تستحق المحاولة هذه المرة.

حب-في-الحافلة-1
صورة تعبيرية

دون سابق إنذار التفتت نحوي لتكتمل رؤية وجهها الذي كان يشبه اكتمال القمر، ابتسمت ابتسامة أعلنت السلام بين قلبي المضطرب وعقلي العنيد، حينها رغبت بالاعتراف إذ أن كل محاولاتي بالثبات أمام عينيها باءت بالفشل بل كانت تعبيرا ضمنيا على أنني أصبت بوخز الصبابة.
عم السكون جراء التفاتها تاركا فرصة التناغم للعيون وكان السكوت سيد الجميع إلا رضيعا تمرد وانطلق بالبكاء دون أن تكون لمحاولات أمه في إسكاته أي جدوى. دون شعور وجدتني أخوض في حديث معها لا أعرف كيف بدأ أو كيف كانت مقدماته، كل ما أعرفه أنني لا أريد انتهاءه، لايهمني موضوعه ولا عباراته وكلماته بقدر ما يطربني الطرف الثاني فيه.

تبادلنا أرقام هواتفنا، بسلاسة تجاوزنا رسمية البدايات ورحنا نغوص في مكالمات عاطفية طويلة ورسائل غرامية لا تنتهي، وصار التعلُق يتسلل إلينا رويدا رويدا إلى أن بلغ ذروته فلم يبقى هناك مناص عن حبنا.
ولما أيقنت أني مغرم ومهووس بحبها غير المشروط كسر شرودي سائق الحافلة قائلا أنها المحطة الأخيرة، نظرت نحو الجميلة فلم أجدها إذ لم يبقى من ركاب الحافلة إلا أنا، من الواضح أنها نزلت حيث تصل دائما دون أن تعلم ما فعلت بقلبي، لم يقلقني تفويتي للمحطة التي يفترض بي النزول فيها بقدر ما تحسرت على حلمي الذي لم أتمكن من قصه على جميلة الحافلة.
عندها أدركت أن مخيلتي أوسع بكثير من الثقب الذي يتوسط يدي كما تقول لي أمي كلما تعلق الأمر بمعاملاتي المالية.
وتبقى الجميلة عابرة طريق تمضي فتغيب وأحيا أنا مصارعا ذكراها.

حب في الحافلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *