الأوبئة والمجاعات في تاريخ المغرب – الجزء 1

انتشارها وسبل مكافحتها

تقديم

يُعتبر موضوع الكوارث عمومًا، والأوبئة والمجاعات خصوصا من المواضيع الواسعة التي تتسم بصعوبة الإحاطة بها والتحقق منها، وذلك بالنظر لقلة المصادر وندرة المادة المعرفية التي تناولت الموضوع بالدرس والتحليل، باعتباره أحد الظواهر المهمة التي طبعت تاريخ المغرب على مرّ عدد من السنين والقرون، فلا نعرف بشأنها سوى معلومات بسيطة متناثرة ومشتتة تؤرخ لانتشار هذه الأوبئة والمجاعات وتحاول بسط شذرات تخص سبل مكافحتها.

وبالنظر لما يعيشه العالم اليوم من انتشار واسع لجائحة كورونا – كوفيد 19- والمغرب بشكل خاص، تشكل مسألة العودة للتاريخ والإفادة من الأحداث والوقائع السابقة إغراء علميا كبيرا، لا يسع الباحث أمامه إلا أن يخوض غمار هذه المغامرة المعرفية متسائلا عن أسباب وقوع الأوبئة والمجاعات وكيفية انتشارها ثم مكافحتها وسُبُل ذلك.

في هذا السياق كان لابد ونحن نُحضّر لهذه الورقة من العودة للمصادر والكتابات المتوفّرة حول هذه الظاهرة، فكانت الملاحظة الأساسية التي برزت أمامنا في أول وهلة أن الوثائق والمراجع الأجنبية تتسم بأكبر قدر من التفصيل والدقة مقارنة مع نظيرتها المغربية؛ والحال أن المفترض هو العكس ما دمنا نتحدث عن ظاهرة حدثت وتكررت في المغرب، فكان الأولى أن يُكتب عنها ويفصل القول فيها المغاربة، ولكن اهتمام الأجانب وخاصة الأوروبيين منهم بالمغرب جعلهم يؤلفون ويؤرخون ويحللون الظاهرة بشكل أدق وأوفر، ولعل هذا راجع – حسب بعض الباحثين – إلى الأطماع الإمبريالية التي جسدتها عمليات التوسع الاستعماري الأوروبي وما يستلزمه ذلك من تجنيد للقناصل، الأنثروبلوجيين، الأطباء، الجغرافيين، الإثنوغرافيين وغيرهم من الموارد البشرية التي حققت تقاريرها الميدانية وكتاباتها الوصفية ومذكرات بعضهم تراكما في المصادر والوثائق التاريخية، والتي تتطابق مع الكتابات المغربية في مجملها، غير أن الأولى تزيد عن هذه الأخيرة دقة وتفصيلًا وتحليلاً.

في هذا الصدد، تأتي هذه الورقة لتشكل مساهمة في ملء الفراغ الذي يعرفه هذا الموضوع، ومحاولة للتركيز على ظاهرة الأوبئة والمجاعات أكثر من وصف الأحداث السياسية والوقائع الاجتماعية التي تنبري لها معظم الدراسات في حقل التاريخ، ولا يخفى ما لهذا الأمر من أهمية سواء على المستوى العلمي الذي يتمثل في إغناء المعارف المرتبطة بهذا الشأن، أو المستوى العَمَلي الذي قد يمكّن من الاطلاع على بعض الحيثيات الممكن استغلالها والإفادة منها في مواجهة ما يعنّ للبشرية من كوارث قد تحدق بها؛ خاصة وأن موضوع الأوبئة يكتسي راهنية ويعد حديث الساعة، مما يستدعي مقاربته بالدرس والتحليل.

على هذا الأساس، نطرح إشكالية مركزية نروم من خلال معالجتها فهم واستيعاب طبيعة الظاهرة الوبائية في تاريخ المغرب، والتي تتحدد في طرح سؤال كيفية إدارة وتدبير الأوبئة والمجاعات في تاريخ المغرب. الأمر الذي يُحيلنا بالضرورة على طرح عدد من الأسئلة الفرعية التي تنبثق عن الإشكالية المركزية والتي يمكن إجمالها في الآتي:

  • في ماذا تتحدد أسباب انتشار الأوبئة في تاريخ المغرب؟
  • كيف تعامل المغرب مع الظاهرة الوبائية؟
  • أين تتجلى أهم سبل ووسائل مكافحتها؟
  • ما هي آثار وانعكاسات الأوبئة على المغرب؟

ولمحاولة الإجابة عن الإشكالية المركزية وما تفرع عنها من أسئلة، سنحاول اعتماد مقاربة عابرة للتخصصات ترتكز على التكامل والتعدد المنهجي، ليس من باب الترف الفكري وإنما لما تستدعيه الضرورة، ذلك أن الموضوع يطبعه التشتت ويتداخل فيه السياسي بالاجتماعي فالاقتصادي والديني وغيره، مما يصعب معه التموضع ابستيمولوجيا بشكل دقيق والإحاطة بالموضوع من منطلق دون آخر.
وعليه فقد ارتأينا أن نقسم هذه المقالة إلى محورين رئيسيين، نتطرق في الأول للجانب النظري الذي يتحدد في بيان المفاهيم والتمييز بين المصطلحات والوقوف عند المنطلقات الرئيسية للموضوع، لنخصص المحور الثاني لفهم أسباب انتشار الأوبئة في المغرب وكيف تعامل معها والتداعيات التي خلفتها الأوبئة.

المحور الأول: منطلقات نظرية

لما كانت الهيمنة للتاريخ السياسي والعسكري على الإنتاج التاريخي في العالم، بقي الاهتمام بالتاريخ الاجتماعي ومختلف تفرعاته مغيبا في الكتابة التاريخية إلى فترة متأخرة من القرن 20. وفي هذا الصدد، يعد تاريخ الأمراض والأوبئة من المباحث المستجدة التي لقيت اهتماما متزايدا من طرف المؤرخين قصد استيعاب وفهم التحولات التي مرت منها المجتمعات. كانت الأمراض والأوبئة من التحديات والإكراهات الملازمة للإنسان طوال مساره التاريخي، فلم تكن غائبة عن الحياة المادية لمختلف المجتمعات، فأرخت لسنوات ظهورها بأسماء مختلفة، ووشمت ذاكرتها على شكل مكتوب وشفهي، بل غلّفت بعضها بطابع أسطوري جد واضح وكان لها دور فاعل في رسم الممارسات المجتمعية للكثير منها.

وقد حَقّق التراكم المعرفي والمنهجي الناتج عن وفرة المادة المصدرية والمعالجة المعلوماتية للإحصائيات الوبائية في علاقتها مع الأوضاع والمعطيات السوسيو- ديموغرافية للمصابين والمناطق المعدية تطورا هاما في هذا الحقل المعرفي، وبفضلها تم الوقوف عند احتضان الأوبئة لمختلف الهواجس والمخاوف التي قضَّتْ مضاجع الإنسان، كما أنها بَيّنت للأجيال الحالية المرتكزات الصحية والثقافية للمجتمعات القديمة.

والمغرب باعتباره لم يسلم من تمظهرات وتجليات الظاهرة الوبائية حدوثاً وانتشارا ومواجهة، فقد أطلق على هذه الظاهرة العديد من النعوت والمسميات وخلق بشأنها عدة ممارسات، لابد معها من وقفة للتمييز لبيان بعض المفاهيم التي وإِنِ اختلفَ مَبناها فإن معانيها تظل متقاربة حدّ التداخل، ولئن كانت الممارسة الصحفية تتسامح وتتجاوز عن مثل هذا التحديد المفاهيمي ولا تُلقي له بالا، فإن ذلك يعد من صميم الممارسة الأكاديمية، الأمر الذي يجعلنا نقف عند بيان مفهوم الوباء وتحديد ماهيته لتمييزه عن غيره مما سنعرض له من مفاهيم مشابهة يكثر تداولها حال الحديث عن هذه الظاهرة.

الوباء: (أوبئة) هو انتشار مفاجئ وسريع لمرض في رقعة جغرافية ما فوق معدلاته المعتادة في المنطقة المعنية. وقد عرفته منظمة الصحة العالمية بأنه حالة انتشار لمرض معين، حيث يكون عدد حالات الإصابة أكبر مما هو متوقع في مجتمع محدد أو مساحة جغرافية معينة أو موسم أو مدة زمنية. وقد يحدث الوباء في منطقة جغرافية محصورة أو يمتد في عدة دول، وقد يستمر لعدة أيام أو أسابيع، وربما يستمر لسنوات.

وهنا يجب التمييز بين وباء (epidemic) وتفشٍّ (outbreak)، وفيما يعد بعض علماء الوبائيات هذين المصطلحين متطابقين، يرى بعضهم أن مصطلح وباء يصف حالة تشمل منطقة واسعة وترتبط بأزمة كبيرة، أما التفشي فيعبر عن حالة انتشار مرضية في منطقة أو مناطق محددة أصغر من الوباء. ويوضح بعض المتخصصين في الوبائيات، أن الوباء هو ظهور حالات أمراض معدية في دولة أو مجموعة دول صغيرة متجاورة، وينتشر بصورة سريعة بين الناس. أما الجائحة فهو ظهور حالات لأمراض معدية في أكثر دول العالم بأسره، ويصعب السيطرة على الحالات المرضية على مستوى العالم، مما يهدد صحة الناس ويتطلب إجراء تدابير طبّية سريعة، وخطط عاجلة لإنقاذ البشر. وعليه فالخاصية التي تميز الوباء عن غيرها من الأمراض هي مسألة العدوى والانتشار السريع. أما المجاعة فهي هي ندرة في الغذاء على نطاق واسع، تسببها عدة عوامل بما في ذلك الحرب، والتضخم، وفشل المواسم الزراعية، وعدم التوازن السكاني، أو السياسات الحكومية. هذه الظاهرة عادة ما ترتبط بالتوسع إقليميا، وانتشار الأوبئة، وزيادة معدل الوفيات. ومنه مصطلح المساغب الذي ينتشر في كتب المؤرخين والفقهاء المغاربة بمعنى أسغب القوم أي جاعوا ودخلوا في مجاعة (مَسْغَبة = مجاعة).

تعد الظاهرة الوبائية من أعقد الظواهر التي عرفها المغرب على مر التاريخ، حيث أطر المجتمع هذه الظاهرة بعدة مسميات وأوصاف منها الذي ينهل من حقيقة الوباء وطبيعته المرضية التي تجعل المغاربة يطلقون عليه مسمى ذا منزع صحي، ومنها ما يتصل بتداعيات الوباء فينعت بالأثر الذي أحدثه، ومنها ما يتم ربطه بالجانب المعيشي الذي يشهد ندرة وانخفاضاً، ومنها ما هو ذو طابع ديني، إلى غيرها من المنطلقات التي تتحدد بمقتضاها الظاهرة الوبائية في التاريخ المغربي، ولهذا يلاحظ كل من حاول معالجة هذه الظاهرة من زاوية التاريخ يجدها تتفرع بين المعطى الاقتصادي والاجتماعي والديني وغيرها، وهي منطلقات لابد من استحضارها في قراءة تاريخ الأوبئة في المغرب لكونها محددة ومميزة لطبيعة الظاهرة ومساعدة على الفهم والاستيعاب، خاصة وأننا نجد عددا من الممارسات التي تم ابتكارها في أوقات الجائحة، بعض الأعوام التي تم تسميتها بمسمى الوباء، بعض التقاليد المجتمعية التي انبثقت في هذه الفترات، وهو الأمر الذي يطلق عليه المؤرخون مسمى Chrono-names أي تسمية الأعوام بمسمى الجائحة أو الوباء.

يُـتبَـع

الأوبئة والمجاعات في تاريخ المغرب – الجزء 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *