انعكاس الضبابية

ظل الحب

الحب: قيمة جميلة سامية المعاني وعظيمة، لما تكن عبارة يبديها شخص في موقف تجاه آخر، وإن كانت في لحظة عابرة، أو عبر رسالة منقولة لشخص. لها مدلول وأثر عميق في النفس يحمل نظم معاني الحب والود والتقدير. قيمة سامية تبعث على النفوس الطمأنينة والارتياح. هكذا كان كثير من الناس يعبرون عن الحب الأول لآخرين بلفظ كلمة الحب، في كثير من المواقف التي تجمعهم. ويبقى لهذه الكلمة معنى عظيم وشعور أكبر في الذات، حين كانت النفس البشرية تتلذذ وتنعم ببساطة الحياة. ولم يكن الناس عندئذ بحاجة لشواهد لتأكيد عفة النفس وصدق مبادئها وقيمها الإيمانية، وكانت الدلائل واضحة تظهر في البشاشة والرقة والبوح الصريح وحديث نابع من القلب الى القلب، في حالة بث حي مباشر دوما يؤكد ويحصي عظمة ورقي الذوات، وكما أسلفت نظرا لبساطة الحياة وطهر المعدن، ونقي الذات من حالات الاستغلال والغلو والتطرف في المبادئ والقيم، ولنظافة القلوب من الحسد وعن الاستئثار بمحبة الدنيا والمصالح الشخصية الكامنة في الأنانية ، ثم ولحاجة الناس الماسة بإخلاص تام لهذا الحب ولكلماته الشريفة لفظا ومكنونا صدقا. صحيح كانت الناس بحاجة ماسة للمصلحة الشخصية، لكنها نأت بالذات عن الأنانية والتعقيد المادي والمعنوي والاستئثار بالرغبة فيما عند الناس، ولهذا قامت على مصالح شخصية وعامة على حد سواء خدمة ومراعية للقيم وضوابط الحياة البريئة، وللجوانب الإنسانية، وللتكافل الاجتماعي المهيب، حاملة معاني ورقي الحب ذاته والتقدير الصادق والاحترام الكبير المكنون في الذات البريئة الطاهرة للجميع.

ولما انفطرت وانفتقت معالم حب الذات والأنانية بمظهر جديد وكان للإنسان هم في البداية لتكوين حلم وهدف خاص، بمبتغى جديد، انفصلت عرى المبادئ والقيم، وعروة الحب الوثقى، وبات هما فريدا ومطمعا أكيدا. هو جمع الشيء للذاتية وللكينونة بضرورة الصيرورة، بغض النظر عن الماهية والكيفية والتلمذائية. وتمثلت وخضعت صورة الحب للطريقة الفجائية كتعاقب الفصول المناخية، ووضع الحب في كثير من المجتمعات تحت رحمة سنان الطقوس الوضعية الاشتهائية وزخرف الحياة الرخيص المبتذل.

كانت فطرت الحب العذري الأول وغيره نابع من الذات والكينونة النقية والمشاعر الإنسانية الحقيقية، رغم قلة إمكانات قنوات التواصل ووسائل التعبير عن ذلك المذهب، إلا إن الإرادة والإيمان كانا قاعدة راسخة ثابتة لشموخ الذات التي لم تنفصل عراها، مقاومة ريح الصرصر. وكانت رسالتها البريدية العاجلة تسابق وهج البرق سرعة، تكمن في لغة العيون التي استنكفت عن الحديث عفة وتورعا، فآمنت بها واستنطقتها القلوب في أسرع ترجمة رمزية سرية دون استعانة بكبريات قواميس ترجمة اللغات. هكذا كان الحب الأول الأصيل الرصين.

أما ” ظل الحب ” الماثلة صورته اليوم ، كشبح أو طيف أو خيال، فهو الى حد بعيد يناسب أيضا “جيل الظل ” نفسه، وكأن العنوان البارز في التمثيل له، هي الرسوم والأشكال والتعابير الرمزية المقتبسة لتفسيره، بعيدا عن عمق تشريح التسمية، ورغم كثرتها لم تفلح في التعبير عما يجول بالخاطر بصدق حقيقي مبين. بل ذهب الى حد بعيد الى إظهار حالات عدة من النفاق والتزلف، لأننا عندما نحدث “جيل الظل ” نفسه، والأجيال القادمة عن متن الحب الأول العظيم وعن بساطته وقوة معانيه النابعة من الذات، الذي لا يرضخ أبدا للتقلبات والمواقف والطقوس الهوائية الفجائية والضبابية والتملق، وما كنا نشعر ونحس به في الحب وما يعتمل بالذوات، فإننا سنكون عاجزين تماما عن إيصال المعنى الحقيقي الى قلوبهم بكل تلك الشفافية التي كنا عليها، لان الزفرات التي ستنطلق من منابع ذواتنا بلا إرادة وبتلقائية صرفة، ستكسر قنوات الاتصال اللا مرئي الذي يربطنا بقنوات اتصالهم المجهولة الغائبة عنا، وبدون سابق إنذار، سنشعر بحالة شجن، وسنتوقف حتما عن الحديث، لإيماننا الشخصي بالفارق البعيد عما نحدثهم به وما يؤمنون به من أفكار من نشوء ظاهرة ظل الحب الذي نراه ماثل في حياتهم، فنعجز عن تفسيره والتعبير عنه بوضح تام حتى لأنفسنا وأنفسهم.

انعكاس-الضبابية
صورة تعبيرية

أستطيع أن أنعت ” ظل الحب ” الناشئ عن الهوائية وتقلب الطقوس الحياتية والوضعية الاشتهائية وزخرف مباهج الحياة الرخيص المبتذل ” بانعكاس الضبابية ” على الذات . وهو لا يخلو أبدا من الأسئلة الفرضية التي تداعب أفكار المحبين الأوائل الصادقين في حبهم، حتى ولو كان من بين جيل اليوم الذين لا يؤمنون به أو لا تنطبق عليهم صفة ” ظل الحب “، ولا يخضعون لطقوسه الغريبة عنا، وهذا يجعلني أضع رهانا وتحدي كبير حتى يثبت العكس تماما بوضوح في دائرة الرهن. فمن ضمن الأسئلة الفرضية لتساؤلاتنا المعقدة هي: عن ماهية هذا الحب وكيفيته ووسائطه والتشكيك في صدق نتائجه؟ هذا نتيجة لإيمان البعض منا أنه توجد أسباب شخصية وأغلبها نفعية تقليدية، ناشئة عن التباهي وحب التملك ونزعة الرغبة الذاتية، في السطو على مشاعر الفردية، واختراق آفاق الخصوصية والحرية الشخصية، من أجل تحقيق مآرب شخصية بحتة، ولإيماننا أن نشوء حب في هذا الزمن، أضحى معادلة صعبة، بالغة النشأة والتعقيد فعلا، خوفا من أن تكون نشأة الحب، لم تكن لذات الحب نفسه. ثم نظرا لأنه فارق كبير بين الشيء وظله، بحكم أن الشيء غالبا ما يكون ماديا، وإن كان معنويا في مشاعر الإنسان وأحاسيسه الذاتية، إلا أنه إثبات بيّنٌ للشيء وظله، ولان الظل مهما يكن فهو زائل بانقشاع الضوء عنه. وبكل صراحة بات من الصعب تصنيف ظل الحب في درجات الحب الحقيقي التي رأها الأدباء والفلاسفة والحكماء بدءاً من الهوى وختاما بالهيام، إلا أن يكون نزوة بين درجتي الشهوة والهوى.

إن ما أراه في هذه الحياة، كواحد من المتأملين يجعلني دائما أضع خطا عريضا تحت السطر، متعمق مستفهم، فيما أراه ماثل أمامي من تجارب لي وللآخرين، وأصدقه وآمن به بأحاسيسي ومشاعري، وربما يرى غيري ما أرى فيدحض فكرتي أو يؤيدها برأي آخر، ويذهب في نظرة خاصة، ليخلق فصولا لرواية يراها ويحدد معالمها، ويضع نتائجها ببصمة مثالية، أفضل مما أتصوره، فيقنعني ويقنع الآخرين بها . كل شيء ممكن ومحتمل، حين يكون الرأي من زاوية أخرى ينظر ببعد آخر أعمق، ويعبر عن وجهة نظر مغايرة أو محايدة.

من خلال الملاحظة في ظاهرة نشأة ” ظل الحب ” أجدها تكرار لصورة نمطية وتماثل في استنساخ مَسخٍ شامل لهذه الصورة المدنية وكأنها بصمة وراثية لشيء واحد. وقد يكون من المقبول عرضا أولاُ أن أقول: أنه في الماضي كانت تعيش الوحوش في القفار والبراري والكهوف، وتنعم الآدمية في دُورِها بالطمأنينة، وتستشعر معالي وسمو الإنسانية، وفي الحاضر تبدلت أنماط الحياة، واسْتُسِكِنِ الغِلْ والتَّغَوَل والوحشْية والتوحُشْ واستوطنت الضمائر والقلوب، فيْ استنساخٍ آخر مماثل لشكل من أشكال الاستئساد والاستذئاب والاستغوال والاستغلال والتمرد، من أجل استفاد الضمائر والذمم بالتعميم والتشريع لحضارة المدنية والتطور، وقد يكون من المقبول أيضا ثانيا أن يقال: أن الكاتب، أبدى تشكيكا وتخويفا وتصورا مبالغا فيه عن ظاهرة ظل الحب. وعن هذا أسوق مثلا فلسفي بسيط، وهو حين أقدم فنان غربي تشكيلي سريالي مبدع كبير، على رسم صورة لحبيبته في أحدى لوحات فن التجريد، وهو تحت تأثير تعاطيه المرجوانا، أبداها في حالة تجرد تام من اللباس، منبئ عن تصوره الحقيقي المخبوء المعتم في ذاته، في حين كان وهو في وضع طبيعي ينعتها بالطهر ويصورها ويسويها بالملاك. وعلى أي حال، فهو بسبب طيش نزوة بغير قصد متعمد منه. فقد جردها من العفاف والطهر ومن مبادئها الإنسانية، ووقع في أمر محظور واقترف ذنبا لا يغتفر. ومن المستسن أن يقال: إنا مؤمنون. هذا نعم. ولكن رغم تحرر الذات واتخاذ إجراءات الحيطة نظرا لشعورنا في بعض الأمور بالتقصير والخوف مشوبا بالتدليس. لم ينج أحدا بلا استثناء في هذا الزمن من ولوج دائرة ظل الحب النشاز رغم تلك الحيطة والحذر. وهو ما تبحث عنه الذات شغفا، بلا قنوط، كمذهبُ يقين أمنتْ به البشر ~ نعم إنا مؤمنون ~ لكن من المقبول تالتا أن يقال بلا ردٍ وتعطيل ~ قال تعالى: “فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا “..59مريم .. آية توضح بجلاء نتيجة حال الشقاء عند فساد الذات، والخمول وبعد اليقين المقدس، بحقيقة حصانة النفس وعصمتها من الشهوة والذل، بعظمة وأثر ما تفعله بنا الصلاة المطمئنة الخاشعة.

إن التسكع في الطرقات والأزقة والمحال والمجمعات التجارية وعبر الرسائل الإلكترونية المفخخة والاستعراض بقنوات اتصال وأدوات وسائل نعمة وترف، لاستجداء الحب والبحث عن صديق بالوسائل الدعائية والهوائية والطقوس الاشتهائية والنزعات والرغبات الذاتية الرخيصة وموهبة حب التملك للتماثل بالغير والتباهي بأشخاص مع أشخاص آخرين، ما هو إلا لون من ألوان نشأة ” ظل الحب ” وانعكاس الضبابية التفافا على الذات بالذات خطأ، فاذا ما صدّقت الذات ذاك الالتفاف الخاطئ والتخرص الواهي، وآمنت به وحصل الاقتران الشرطي المعتم، تكشفت النوايا، ومثلت السبل عيانا حقيقة بفشل، ما يسمى بالحب، وبالتالي تكبدت الذوات وذوات أخرى غيرها بأجيج ريح الصرصر، ونشبت حرب ضروس خفية متوعدة الجنسين على حد سواء بالويل والثبور، ودُفعت لذلك أثمان باهضةً فداء لنعته وضبابية الذات ، بعد أن كانت في البداية مريحة، بسيطة، غير مكلفة .
أنا لست متشائما، لكنني أضع فرضية نشوء انعكاس الضبابية على الذات. وهذا ما سيجعل كثير من العقول تفتح أبوابا لأسئلة ضامية لا تلقى جوابا شافيا بصيرورة حب باهت أعمى مقيت، حين نستشعر او نرى حبا بين شخصين، ونرجح أن تكون إجابات معظم الأسئلة بوجود مصلحة فردية شخصية مجهولة الهوية، ثمنها في نظرة عامة، هو الجمال والجاه والمال والسلطة والرغبة في التباهي والتحدي والتملك للمهج والذوات.

لم ولن ينشأ حب من فراغ، ولن يتم أيضا ولن يكتب له النجاح، إذ ما كان ناشئ من بين فكاك الضبابية والانتقائية المحرضة ضد الذات وما بين نزعات الإمتلاكية والمثلية والتماثلية والمباهاة والهوائية وتقلب الطقوس الحياتية والوضعية الاشتهائية ، وقنوات الدعاية الفنية، وزخرف الحياة الرخيص المبتذل. و سيكون ختام هذا الحب الناشئ المولود في أفق أنفاق معتمة، سلعة استهلاكية يشتهيها السوقيين المتسكعين عبر قنوات الفضاءات الكونية الواسعة ونواحي وعباب السربتة. ضنا بأنهم يحسنون صنعا في الحب، وهم بعيدون عنه وعن أطيافه كل البعد . والله أعلم بمن خلق.

انعكاس الضبابية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *