الوعود الانتخابية الكاذبة والفصل 540 من مجموعة القانون الجنائي

حول الاحتيال في الحملات الانتخابية

سلام تام بوجود شمس نطمح في أن تشرق إشراقة أمل لإنقاذ جيل تائه وبعد،

ولأن للمطلع دلالات خاصة تخص قيمة الشيء، ولأن اللون الأبيض لازال أبيضا مهما اسودت النوايا، فإنني في مطلع هذه المقالة المصغرة أصفق احتراما لكل السادة السياسيين المحنكين، الذين أدوا الأمانة بأمانة ومارسوا مهامهم بإتقان ورعاية، فوعدوا وأوفوا بعهدهم، متخلصين من كل عقلية بالية، متمردين على كل تبعية دالية، متجردين من كل الأكاذيب النارية، مستحضرين روح المسؤولية الغالية…

لا زالت أتذكر جيدا يومه الأحد 29 دجنبر 2019 بمناسبة اليوم التأسيسي للمجلس الإقليمي للشباب فرع درب السلطان، حينما تقدم الأستاذ أمين الصغير بمداخلة رائعة جدا تساءل من خلالها عن التكييف الجرمي للوعود الانتخابية الكاذبة ومدى إمكانية إسقاط الفصل 540 من مجموعة القانون الجنائي عليها، و من ذلك اليوم وأنا أطرح نفس التساؤل حائرا، مقيدا بمبدأ الشرعية الجنائية، منضبطا لقاعدة عدم جواز التفسير والقياس في المادة الزجرية، غير أنني كلما رجعت بي الذاكرة إلى تلك الخطابات القديمة الرنانة، خطابات صحبتها وعود ووعود، تطبيل وتوزيع للورود، تطعيم وزغاريد وتغريد بآلة العود، تجسيد لمنطق رابح رابح وأن الفِضة تفض كل القيود… وكلما استحضرت ربط المسؤولية بالمحاسبة كمبدأ دستوري، والحفاظ على المال العام كضابط تدبيري، تيقنت يقينا قاطعا حاسما أن الفصل 540 ينطبق على هؤلاء تمام الانطباق، سواء فيما يتعلق بعناصره التكوينية أو شروطه القانونية، أو ضوابطه النصية، بل واجتهاداته الفقهية، خاصة حينما أرى ما وصل إليه واقع الحال مقارنة مع ما رُسِم و خُطِط له في تلك الألحان، و ما غُنِيّ له في تلك الأنغام، متسائلا عما يمكن أن يستشرق في قادم الأيام من مآل… ؟

أيها الأفاضل، إذا كان الفصل 540 من مجموعة القانون الجنائي المغربي يقوم على استعمال أحدهم للاحتيال ليوقع شخصا في الغلط بتأكيدات خادعة أو إخفاء وقائع صحيحة أو استغلال ماكر لخطأ وقع فيه غيره ويدفعه بذلك إلى أعمال تمس مصالحه أو مصالح الغير المالية بقصد الحصول على منفعة مالية له أو لشخص آخر، ألا يعتبر استعمال الخطابات الرنانة الدالة على الوفاء واللعب بعقول الضعفاء وتلوين سواد الطائر القرف بألوان جمال الببغاء… ألا يعتبر ذلك من قبيل الاحتيال وإخفاء الوقائع الصحيحة الدفينة المتمثلة في المصلحة الشخصية؟ ألا يعتبر ذلك من قبيل التأكيدات الخادعة التي توقع المخاطَب في الغلط و البهتان؟ ألا تؤدي هذه الأفعال إلى المساس بمصالحنا المالية من خلال الميزانيات الخيالية التي يبقى مصدرها نفقات وتحملات الشعب من ضرائب و غيرها؟

الانتخابات
كاريكاتور مقتبس من صحيفة المستقبل العراقي

خلاصة القول، يمكن الاستنتاج أنه إذا كان قوس قزح يمتاز بتعدد الألوان وأن لكل لون معنى ومفادا، فإن ذلك هو حال العالم السياسي في بلادنا مع اختلاف يتمثل في حضور اللون الأسود كملك يتربع على عرش ألوان قوس قزح السياسي.

● الأسود الملوَّن بالبياض، والذي يناضل من أجل مصلحته الخاصة وفق مبادئ يدعي أنها تقوم على المصلحة العامة، ليتخلص من الألوان المصطنعة بعد الوصول إلى غاية المنشودة كآلية أسمى لتحقيق تلك المنفعة الخاصة، مع العلم أن آلية المعارضة لا تخلو من منافع نفعية لا تليق به كأسود مظلم.

● الأسود المنتفع ببياض كان يحمله قبل حين، ليتخلص منه بعد تحقيق المراد، مع استحضاره دائما لاقتراب معركة مع أشخاص لا يختلف عنهم إلا في تخلصه من اللون المصطنع لفترة من الزمن، فإما أن يفوز بالمعركة ليتخلص من جديد من ثقل اللون الذي يغطي جلده الأسود الأصلي، أو ينهزم ليقوم من جديد بخوض غمار ثقل لون مصطنع كان قد مر من فترة النضال الصوري فيه في يوم من الأيام.

● لون أبيض طبيعي, يقوم على مبدأ المصلحة العامة واستحضار نبل الأخلاق ورُقيِ الهدف وقيَم العطاء وصدق القول ومصدرية القلب وإخلاص النية وتقديس الغاية… يسطع لون نورهم مهما تعددت مراكزهم واختلفت مهامهم واختلطت دائرة الألوان بفضائهم، وهو قليل إن لم نقل منعدم مع التمسك بحبل رقيق من أمل شباب صاعد قد يكون هو المنطلق؛ وهذا اللون الأخير -للأسف- ليس في متناول الجميع.

الوعود الانتخابية الكاذبة والفصل 540 من مجموعة القانون الجنائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *