روح هائمة

لقاء ليس ككل اللقاءات

الرابعة فجرا، ليلة من ليالي أيلول، أهيم بروحي المتناثرة التي لا يعلم عن تناثرها إلا خالقها وكل أحاسيس عمقي تتآكل متداخلة بين بعضها.. خيّمت الأفكار معششة في جمجمتي فأنّى لطردها عني من سبيل؟! لا بأس بخيط الذكريات الجميلة وواقعنا الذي نعيشه..

مقارنات لا تنتهي، حقيقتي التي أداري فيها الحياة أنه لا يوجد أحد يعرف من أنا، حتى أقربهم يظنون أنهم يعرفونني لكن هيهات هيهات، بل أضحك سخرية عندما أسمع تمتماتهم بأنهم يعرفونني.. مساكين!! بصراحة لا أعلم أهم المساكين أم أنا؟! لا يهم فأنا أصلا دعائي أن أحشر معهم يوم القيامة عسى رحمات ربي أن تحيط بي..

لا بأس، أعتذر عن هذه التداخلات التي تداخل كل شيء ببعضها لكنني هكذا أحاول شرح أحاسيس كل إنسان فينا، من منا لا يخوض هكذا حوارات مع نفسه؟! لا أظن أن هناك إنسانا حيا لا يخلو مع نفسه هكذا.. بصراحة نكمل حديثنا، لا أعلم لم أشعر بالإستثائية منذ الطفولة؟! أهي نعمة أم نقمة؟! الحقيقة هي أنني أنا من أحدد هذا الشيء.. أن يكون الإنسان مختلفا ويظن الجميع أنه مثلهم فهذا غباء محترف.. نعم قد نكون جميعا متشابهين في الأسس الهيكلية في تكويننا لكن الحقيقة هي أن كل فرد فينا له نسبة تجعل كل الحسابات السطحية هباء منجرفا ولانجرافه أركان تؤثر على ما به متصف..

روح-هائمة-2
صورة تعبيرية

ها هي تأملاتي على شاطئ مناجاتي.. تنهيدة
عميقة تتبعها لمحة على أطرافي.. اقتربت مني طفلة كأنها ملاك يملأ النور وجهها، بدأت تهمس بصوتها الخافت المتردد: هل يمكن أن أجلس قربك؟ فأنا خائفة من ظلمة هذا الليل ووحشته!! بالكاد استجمعت وعيي لأجيبها بالقبول وكل محيّاي مليء بالدهشة.. كيف ولِم أنت هنا ؟! هذا سؤالي الذي نطقته بعد جلوسها طالبة الأمان.

خلعت معطفي لأخفف بردها وأشعلت نارا لعلها تزيد دفئها وبضع لقيمات تقوي بها جسدها..
تخليت عن كل أحاديث نفسي وحواراتها ووجهت قِبلتي نحوها أغذي فضولي لمعرفة قصتها.. تركتها لتأخذ نفسها لتروي لي حكاية ما زادتني إلا دهشة واستغرابا..

وعيوني تملأها الدموع أنهارا، أخذت تمسحها بحلاوة كفها؛ من كان يتوقع أني سأتعلم الكثير من حكاية هذه الأميرة الصغيرة؟ أخذتنا التسامرات حتى بزغ الفجر علينا لأعلن شروق الشمس على ظلمتنا..
هذه الطفلة غيًرتني للأبد وأنا والله لن أتخلى عنها حتى أجدها في قمة سعادتها.. ليلة شاطئية عجيبة خلدت في تاريخي الحي وأنا لي أن أنساها ففيها بدأت مكارم الله تتوج لي في أبهى صورها.. فقمر أصبحت نورا يدلني لسبيل فلاحي؛ هكذا أسميتها ولا أظن أن هناك اسما يليق بها أكثر منه.. يوما ما ستكتب هي حكايتها وفي كل مرة تعانقني بحبها تصرخ بأعلى صوتها لي بأنه لن يكون لي من سطورها إلا حظا وافرا، وأقسمت بأنها ستكون منارة للضائعين ونجاة للتائهين وقدوة لكل بنات جيلها، فقد وضعت نحتي وبصمتي فيها ولبصمتي حكاية ستقرؤون عنها يوما ما..

روح هائمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *