تدوينة متصدرة

ملاحظات على هامش نتائج الانتخابات (2)

الجزء الثاني: التحالفات المحتملة والسيناريوهات المرتقبة

سَبَقَ وأشرتُ في المقال السابق، إلى الثلاثي، الذي أطاح بحزب العدالة والتنمية والذي أنزله إلى أسفل وهو ذاته الثلاثي الذي قد يعطيه فرصة للعودة الى البيت الداخلي لإعادة البناء والاستمرار في لم الشمل خصوصا بعد القرار الجريء الذي اتخذته الأمانة العامة للحزب وهو ما قد ينتج عنه افراز قيادة جديدة انطلاقا من إرادة قواعد الحزب الغاضة من الوضع الذي آل له بيت البيجيدي وهذا قد يفتح آفاقا للتكهن حول عودة بنكيران وعدد من القيادات التي غابت عن الأضواء خلال ولاية سعد الدين العثماني.

بعيدا عن حزب العدالة والتنمية وجِراحه، جرى يوم الجمعة الماضي تنصيبُ رئيس الحكومة الجديد من طرف الملك محمد السادس طبقا للفقرة الأولى من الفصل 47 من الدستور، الذي ينص على أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات هذا الأخير الذي سيتكلف بعقد لقاءات لتشكيل الحكومة في أجل محدد.

وهنا، تبدأ حكاية أخرى فالمشكل ليس في الانتخابات في حد ذاتها، بل في الانطلاق في المشاورات لتشكيل الحكومة، ودليلنا في ذلك ما عرفته المشاورات التي أطاحت ببن كيران إبان ما عرف بالبلوكاج الحكومي، فاللعبة الانتخابية ليست سهلة ومنطق التحالفات يخلق المفاجآت الغريبة وغير المنطقية في بعض الأحيان ويمكن القول إن نتائج الانتخابات كانت خير دليل على توقع أغرب ما قد يكون في السياسة إنه الاستثناء المغربي.

يمكن في البداية اعتبار انطلاق التشاورات مع قادة الأحزاب السياسية لعبة انتخابية تحكمها معاير محددة وهي تعبر عن طبيعة الحقل السياسي، فضلا عن كونها لعبة مشبعة بالتناقضات حتى وإن كانت تبدو مؤطرة بمعايير دستورية إلا أنها تبقى متأثرة بلعبة أكبر هذه اللعبة تتخللها توازنات حزبية وكذا صرعات ضمنية وتحالفات قبيلة وسياسة رد الصّاع وكذا رد الجميل، فضلا عن منطق رابح أو خاسر.

تنطلق أساسا اللعبة الانتخابية من أدوار يلعبها الفُرقاء داخل الحقل السياسي؛ حيث يؤدي كل لاعب دوراً معينا إما لعب دور المفاوض او المفاوض معه او الخارج عن التفاوض الذي يصنف نهسه خارجهما داخل رقعة الخصم والمعارض، هذه اللعبة تعد دقيقة وحساسة بالنظر الى التوجهات الأيديولوجية والتناقضات التي تطبع على الأطراف، ومن منطلق التفاوض تبدأ اللعبة وهي العملية الأولى بحيث يعرض المفاوض سلعته وآراءه وبرنامجه فيما يساوم الطرف الآخر او يبحث عن أرضية مشتركة أو البحث عن المنافع والمزايا وهي العملية التواصلية التي تجري أطوارها الآن بين الفرقاء السياسيين والتي يتزعمها عزيز أخنوش للوصول إلى تشكيلة حكومية معينة.

انطلاقا مما ذُكر، قد يسعى رئيس الحكومة المُعيّن والمكلَّف بتشكيلها إلى عرض برنامجه أو سلعته السياسية على الأحزاب التي اختار التواصل معها والتي سيسعى إلى إقناعها للدخول في التحالف الحكومي المرتقب وربما قد تطول مدة التشاور بالنظر لطبيعة هاته الانتخابات وحساسيتها بعد خروج خصم صعب من المعادلة.

ويمكننا التكهن ببعض النقاط التي تبقى محتملة للخطأ الى الحد الكبير جدا وكذا محتملة للصواب بنسبة قليلة، ومَرَدُّ ذلك إلى طبيعة اللاعبين وكذا رغبة إدارة اللعبة في إنهاء المباراة في أسرع الآجال والخروج بحل سريع جدا.

– التحالف مع البام ليس مستبعدا إلا أنه يمكن الإشارة إلى موقف البام من الأحرار والذي عبَّر عنه قادة الحزب في الحملة الانتخابية، فضلا عن بعض تصريحات أمينه العام عبد الطيف وهبي الذي أظهر في وقت سابق أنه يحمل مواقف من أخنوش وحزب التجمع الوطني للأحرار.

– البام الذي حصل على 86 مقعد محتلا بذلك المرتبة الثانية تموقع داخل المعارضة منذ تأسيسه وعلى امتداد ولايتي حزب العدالة والتنمية وهو ما قد يولد له رغبة في الدخول الحكومة وخوض غمار تجربة التسيير خصوصا أنه راكم تجربة داخل المعارضة، وربما البام الذي قضى سنوات داخل المعارضة لا اعتقد أنه سيدخل التحالف الحكومي بسهولة وهو الحزب الذي ألف مقاعد المعارضة فقد يكون رقما صعبا داخل التحالف ولن يجد أي مشكل في العودة لمكانه السابق والاستمرار فيما يراه صالحا له.

– عبد اللطيف وهبي أثناء تصريحاته الصحفية عبر في كثير من الأوقات على أن الحزب اتخذ قرارا في مكتبه السياسي بأنه سيتصدر نتائج الانتخابات ويقود الحكومة مستبعدا في ذلك خيار حصوله على المركز الثاني او دخوله في تحالف حكومي كضيف أو كمفاوض معه مما قد يجعلنا نعتقد أن البام راهن على المركز الأول أو المعارضة.

– يمكن أن يتحالف البام إذا وجد الأرضية المشتركة الشروط الموضوعية أو الذاتية حسب قواعد اللعبة المذكورة سلفاً؛ وتتشكل الحكومة بشكل سلس ويحصل البام على ما يريد بعد التفاوض على شروطه إلى جانب باقي الأحزاب التي سيطرق أخنوش بابها هذه الفترة، حينها يمكن أن تنفذ كل التنبؤات حول إمكانية مغادرته الحكومة.

– أما حزب الاستقلال والذي يبدو على أنه مستعد للدخول في أي حكومة سواء كان قائدا لها أو طرفا أو حتى مُلحَقاً داخلها؛ لأنه على امتداد الحملة الانتخابية وحتى قبل ذلك أبدى رغبة كبيرة في ترؤسه الحكومة وراهن على ذلك.

– لا اعتقد أن اخنوش سيستبعد الاتحاد الاشتراكي من تحالفه المحتمل بالنظر الى رهان أخنوش على لشكر الكاتب الوطني للاتحاد الاشتراكي أثناء المشاورات التي عجز بن كيران على إتمامها بسبب إقحام لشكر وهو ما أدى الى البلوكاج الحكومي، ولهذا فربما استبعاد الاتحاد أمر مستبعد والأمر نفسه بالنسبة للاتحاد الدستوري والذي يروج أنه من المرتقب ان يندمج مع الأحرار وتجدر الإشارة الى أنه سبق وشكلا معا فريقا نيابيا داخل البرلمان.

– هذا وتبقى الحركة الشعبية ملحقة لدى الحكومة لكونها حزبا دائم التواجد داخل الحكومات المتعاقبة وكذلك بالنظر الى الحاجة لها في هذه الفترة والتي يمكن اعتبارها فقرة انتقالية صعبة وذات حساسة خاصة ويمكن استعمالها هي الأخرى كملحقة داخل الحكومة شأنها شأن الاتحاد الدستوري، إلا أن الامر نفسه تخمين بسيط بناء على معطيات أولية وكذا بناء على العلاقات بين الأحزاب فضلا عن التجربة السابقة.

– الفاعل الأساسي داخل هذه الحلقة هو البام، هل سيشارك في حكومة أخنوش أم لا؟ وهل سيقبل البام بعرض أخنوش؟ وهل سيكون رقما صعبا أثناء عملية التفاوض؟ وهل سيفرض نفسه بقوة للدخول إلى الحكومة؟ أم أنه سيعود إلى مكانه ليعزز صفوف المعارضة.

تساؤلات وتكهنات تبقى مفتوحة على آفاق عديدة يمكن تفنيدُها، ويمكن أن يصدق بعضها أو جُلّها ويمكن أن تبقى مجرد رأي خارج النسق شأنه شأن توقعات جل متتبعي الشأن السياسي ببقاء العدالة والتنمية ضمن الرّباعي الأول، ليبقى المتحكم الأساسي في اللعبة الانتخابية هو الوقت الذي سيكشف كل شيء.

أسامة باجي

يُتبع ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *