دوركايم ومبدأ “تقسيم العمل”

لا يمكن ولوج الحقل السوسيولوجي دون دراسة الإرث العلمي الشاسع الذي تركه صاحب الطرح الوضعي “إميل دوركايم”، باعتباره أول عالم اجتماع فرنسي أخذ على عاتقه مهمة تحديد “موضوع علم الاجتماع” ومجال دراسته والمنهج الملائم له. نشأ ما بين أحضان أسرة يهودية، فهو أحد أحفاد كبار اليهود الذين ينحدرون من حاخامات المذهب العِبراني الجديد، وهذه النشأة الدينية بالأساس كانت ذات أثر واضح في معظم كتاباته السوسيولوجية.

يُعتبر دوركايم أحد دعائم الحركة العلمية في القرن 19 وأوائل القرن 20، وهو مؤسس علم الاجتماع الحديث وزعيم (المدرسة الفرنسية الوظيفية)، رحَل بصمت مُطبِق في منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني 1917، تاركاً للمجتمع السوسيولوجي، من دارسين ومُدرّسين، تراثاً علميا يتمثل في مجموعة من المؤلفات التي لم تفقد بريقها إلى الآن؛ مِن (تقسيم العمل الاجتماعي 1893) إلى (قواعد المنهج في علم الاجتماع 1895) وكتابه الذي ذاع صيتُه (الانتحار 1897) وصولا إلى (الأشكال الأولية للحياة الدينية 1912). بالإضافة إلى سيل من الدراسات والمقالات العلمية التي تصُبّ في تأطير علم الاجتماع، ووضعه في قالب علمي مستقل بذاته عن مختلف مشارب وتلاوين الفروع العلمية الأخرى.

ويُعدّ كتابه (تقسيم العمل)، مادّة دراستنا، أهم النصوص المنهجية في علم الإجتماع والتي حللت التصورات الطارئة خلال القرنين 18 و 19م. لذا خَصّصَ دوركايم الكتاب ليوضح رأيه في إمكانات تطبيق المقاربة الوظيفية من منطلق يعتبر الوظيفية مبدأ نسبيا منهجيا، وهو يرى أنه قد ترتب عن تقسيم العمل الشدة في الصراع من أجل البقاء والاستمرار، فكثرة العدد تفرض على الأفراد ضرورة التخصص المهني مما يقلل من شدة الصراع ويتيح فرصة أوسع للحصول على وسائل الحياة.

وعن الوظيفة الإيجابية لتقسيم العمل، يرى دوركايم أن تقسيم العمل وما يترتب عنه من تباين بين الأفراد يعمل على تدعيم نوع من التماسك المتبادل في المجتمع وينعكس هذا التساند المتبادل على العقلية الإنسانية والأخلاقية كما أنه يبرز ظاهرة التضامن العضوي ذاتها .وكلما ازداد هذا التضامن رسوخا قلت أهمية الضمير الجَمعي.

ويعتقد دوركايم أن ظاهرة تقسيم العمل ليست حديثة النشأة ولكن الجانب الاجتماعي منها كان أكثر ظهورا في أواخر القرن 18 ،ولقد تطورت إلى الحد الذي جعلها عامة وواضحة لكل فرد. ولعل البُعد الاجتماعي الذي اتخذته الصناعة الحديثة يكشف لنا بوضوح مدى عمومية وانتشار هذه الظاهرة، والصناعة تهدف إلى تقسيم العمل إلى أبعد الحدود وأصبحت المهن منعزلة متخصصة ليست فقط داخل المصنع بل أصبح كل إنتاج في حد ذاته متخصصا من ناحية ومعتمد على غيره من ناحية أخرى، كذلك في معظم قطاعات المجتمع سواء في الوظائف الإدارية أو العلمية أو غيرها…

ونجد شبيهاً لذلك أيضا في الكائنات العضوية والمجتمعات، ويرى دوركايم أنه لكي نصل إلى تعريف موضوعي لتقسيم العمل لابد من ملاحظته ومقارنته ودراسته كحقيقة موضوعية ومجردة، ولما كان تقسيم العمل يتضمّن كلا من القوة الإنتاجية وقدرة العامل لذلك، أصبح شرطا ضروريا لتقدم المجتمعات سواء كان فكريا أو ماديا،والوظيفة الأساسية لتقسيم العمل هي خلقه لشعورالتضامن والتماسك والترابط بين الأفراد،علاوة على ان له أثرا ملحوظا وواضحا في زيادة الوظائف المقسمة المتخصصة.

وعند حديثنا عن التضامن لا يسعنا سوى ذكرنا أن من بين إسهامات دوركايم كذلك، تصوره وجود شكليْن أساسيَيْن من التضامن بين أفراد المجتمع يعكسان بصورة أساسية نظريته نحو التطور والتغير الاجتماعي وهما :

التضامن الآلي : وهو إحدى خصائص المجتمعات التقليدية التي يتضاءل فيها نظام تقسيم العمل، حيث يحدث نوع من التماثل والتشابه بين أنماط العمل السائدة في هذه المجتمعات، كما تظهر المعايير الإجتماعية باعتبارها قوة ضاغطة وتمارس نوعا من القهر والإجبار.وتحدث نوعا من التماسك حيث تتماثل المعايير والأعراف والتقاليد والقيم وتتقارب وجهات النظر والآراء إلى درجة كبيرة.

أما الآخر، فهو التضامن العضوي : وهو إحدى خصائص المجتمعات الحديثة المتقدمة التي تقوم على نظم معقدة لتقسيم العمل وتنوع نمط العلاقات التعاقدية التي تؤدي إلى انخفاض درجة التضامن الإجتماعي وندرة مظاهر التضامن .كما تؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية وضعف قوة الضبط الاجتماعي وظهور مظاهر متعددة للانحراف والجريمة والتعدي على حقوق الآخرين.

دوركايم ومبدأ “تقسيم العمل”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.