أزمة أخلاقية

عن ظاهرة التحرش الجنسي بالمغرب

عديدة هي المشاكل الأخلاقية التي يتخبط بها مجتمعنا لاسيما مجتمعاتنا العربية كالاعتداءات والعنف والاغتصاب واغتصاب الأطفال والتحرش الجنسي؛ هذا الأخير الذي أصبح في تفاقم وتكاثر غير مسبوق فأضحينا نفتقد للأمان في شوارعنا والأماكن العمومية، مما يجعلنا نتساءل: هل اختفى الوازع الديني من مجتمعنا إلى هذا الحد؟ أم أننا نعايش جيلا يعاني من أزمة أخلاقية حقيقية؟

نظرا لما تشعر به الضحية من حرج بسبب التحرش، يدفعها ذلك إلى كتم مخاوفها دون أن تبلغ بالمعتدي مما يجعل من الصعب إيجاد أرقام وإحصائيات دقيقة لعدد الضحايا في المغرب. وحسب صحيفة المرسال فان المغرب يحتل المرتبة الثانية في الوطن العربي من خلال ظاهرة التحرش الجنسي بنسبة 89% وخاصة للفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 17 و 28 سنة.

هاته الظاهرة أصبحت تشكل هاجسا حقيقيا وتهديدا للمجتمع الذي يبدو جليا أنه فشل فشلا ذريعا في تنشئة جيل يتمتع بالصفات والأخلاق الإنسانية النبيلة، جيل ينأى بنفسه عن كل ما يخدش الحياء وحرية الآخر. وعلى العكس قد نجد من يبرر لكل مجرم متحرش ويسقط اللوم على الضحية بسبب زيها وغيره إلا ان هذا الاخير يعتبر شريكا في الجريمة وربما هو أيضا يحمل مكبوتات لم يستطع إخراجها إلى الوجود. وللاشارة فالزي ليس هو السبب وراء هذه الظاهرة، فحسب دراسة حديثة أكدت أن نسبة المحجبات والمنقبات اللاتي تعرضن للتحرش تعد أكبر من غيرهن حيث تصل هاته النسبة إلى % 70.

هذا إن كان يدل فإنما يدل على أن المتحرش يعاني من مشاكل داخلية ونفسية تستوجب التدخل والعلاج ليتمكن من العيش بشكل متحضر وسوي داخل المجتمع. لا يمكننا أن نتجاهل طبعا بعض الأمور المسببة لهذه الظاهرة والمساهمة بشكل أو بآخر في تفاقمها كالإدمان والتعاطي للمخدرات، بالإضافة إلى غياب التربية الجنسية والتوعية وتلقين الأطفال -لاسيما الذكور- مفاهيم مغلوطة وخاطئة عن علاقتهم بالمرأة والتجاوز عن معظم زلاتهم، مما يجعلهم يشعرون بنوع من التسلط على قريناتهم من الإناث؛ كل هاته الأسباب وغيرها تظافرت لخلق مجتمع معتوه أخلاقيا يعاني من كبت رهيب ومن أناس يجهلون حقيقة العلاقات الإنسانية وسموها ويفتقدون إلى تعريف دقيق لمعنى الحرية والاحترام وتقبل الآخر ومتناسين أن الرجل والمرأة على حد سواء لكل منهما كيان وروح وخصوصية.

التحرش-الجنسي
صورة تعبيرية

وللحد من هاته الظاهرة ينص القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الذي دخل حيز التنفيذ في شتنبر من سنة 2018، مقتضيات تعاقب على التحرش الجنسي في الفضاءات العمومية، سواء كان ذلك “بأفعال أو أقوال أو إشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية”، تشمل الحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من ألفين إلى عشرة آلاف درهم أو بإحدى العقوبتين؛ وحسب هذا الوضع الذي أصبحنا عليه يبدو أن العقوبة يجب أن تصبح أكثر صرامة مما كانت عليه.

غير أنه ليست القوانين ولا العقوبات وحدها ما يملك المفتاح لحل مشكل كهذا، فهي ليست بالحل الجذري لمثل هذه الظواهر المجتمعية التي ترجع جذورها إلى ما ذكرنا سابقا، أي إلى الإهمال في التربية، حيث يجب زرع بذور الأخلاق في أطفالنا وأجيالنا، فمعقابة من ليس له أسس سوية وأخلاق يرتكز عليها وضمير حي يؤنبه من تلقاء نفسه لن يصلح الأمر أبدا بل ربما يفاقمه أكثر. ما ينقصنا كمجتمع هو الوعي، أن يعي كل منا بمكانته الحقيقية وبحقيقة كينونته، أن يعلم كل منا أن كل ما هو مطالب به هو احترام حرية الآخر والتمركز على نفسه لإصلاح ذاته أولا وأن يتحمل كل ذي مسؤولية مسؤوليته، ولعل أعظم مسؤولية هي تربية الأجيال على ركائز متينة

أزمة أخلاقية

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *