التأطير الدستوري

للتفسير والتأويل في النموذج المغربي

إن التفسير والتأويل بالنسبة للقاضي الدستوري المغربي يمارسه داخل فصول الدستور وأحكام القوانين التنظيمية كما جاء في الفصل 132 من دستور 2011.

أولا : المرجعية الدستورية للقضاء الدستوري بالمغرب

القاضي الدستوري يستمد مرجعيته من دستور 2011 إلا أن مفهوم الدستور يختلف من تشريع إلى آخر، وكل تشريع يعتمد معيار معين، فهناك من يعتمد المعيار الشكلي فقط مثل المغرب.
وهناك من يعتمد المعيار الموضوعي ليتسع تشكيل “الكتلة الدستورية” لديها ليشمل العديد من القواعد الدستورية، وقد تنحصر في عدد محدد.
ماهي مكونات الكتلة الدستورية بالمغرب؟

-تتكون الكتلة الدستورية في مقامها الأول من الدستور بالمعنى الحصري، بالإضافة إلى الديباجة حيث لم يتردد المجلس الدستوري بالإحالة عليها، لأن القاضي الدستوري يقرأ الدستور كنص واحد من الديباجة الى الأحكام الختامية، ثم القوانين التنظيمية، ثم المبادئ ذات القيمة الدستورية.

1) مكونات التي لا تثير الخلاف:
أ- القواعد الدستورية الصريحة: أي أن القاضي الدستوري يتخد من القواعد الدستورية مرجع أساسي لرقابته على الدستورية بحكم مرتبتها وسموها على القواعد الأخرى، وهكذا نجد أن جميع قرارات القضاء الدستوري المغربي بمختلف محطاته يستهل قراراته بعبارة ثابتة تأخد موقعها في مستهل القرار هي “بناء على الدستور”.

ب- القوانين التنظيمية: وطبقا لمبدأ تسلسل القواعد القانونية فإن القوانين التنظيمية تحتل مرتبة بعد الدستور، وتتفوق على باقي القوانين، هناك جهود ومحاولات من أجل تعريف القانون التنظيمي إلا أن خير تعريف يمكن إيراده هو الوارد في أحد قرارات المجلس الدستوري المغربي الذي يقول على أن “القوانين التنظيمية تعد منبثقة من الدستور ومتممة له، وتغدو أحكامها بعد تصريح المجلس الدستوري بمطابقتها للدستور امتدادا له“.

ت- المبادئ ذات القيمة الدستورية: وهي مبادئ يضعها القاضي الدستوري والمستوحاة من النصوص ذات القيمة الدستورية سواء كانت في الوثيقة الدستورية أم أنها خارجها.

2) المكونات التي تثير الخلاف:
أ- المعاهدات الدولية مع دستور 2011
: تتمتع بمكانة رفيعة داخل النظام الدستوري المغربي من خلال إعلاء قيمتها من خلال النص على أن المعاهدات الدولية كما صادق عليها المغرب وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الراسخة تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه هذه المصادقة.

ب- الاجتهادات الصادرة عن القضاء الدستوري: هذه الأخيرة ملزمة لأنها مؤسسة قانونا، كما أنه لا يجب أت تبقى أي هذه الاتجاهات حبيسة القانون الوطني وخاصة مع ما تتيحه الديباجة.

ثانيا: المجالات التي يمارس فيها القاضي الدستوري المغربي التفسير والتأويل.
الدستور لا يخول للقاضي الدستوري صراحة مهمة التفسير والتأويل غير أنه في قيامه بمهامه والاختصاصات المخولة له لا يمكن الاستغناء عن هاتين الآليتين الأساسيتين في عمل القاضي الدستوري كم سبق تبيانه.
وهكذا يطرح سؤال ماهي مجالات تدخل القاضي الدستوري المغربي لممارسة وظيفتي التفسير والتأويل؟

1) الحالات المباشرة:
وهي الحالات التي يمارس فيها القاضي الدستوري المغربي التفسير والتأويل بشكل مباشر على إثر طلب الجهات المعنية وهي واردة على سبيل الحصر، ويمكن تعدادها كالتالي:
-حالة تغيير النصوص التشريعية من حيث الشكل بمرسوم الفصل 73 من الدستور.
-البت في الخلاف الناشئ بدفع الحكومة بعدم قبول التشريع الفصل 79 من الدستور.
-البت في تطبيق القانون التنظيمي المتعلق باللجان النيابية لتقصي الحقائق المادة 20 من القانون التنظيمي 05.95 المتعلق بتسيير هذه اللجان كما تم تغييره وتتميمه.
-البت في الخلاف بشأن حالات عدم الأهلية والتنافي المتعلق بأعضاء البرلمان.
2) الحالات الغير المباشرة:
يمارسها القاضي الدستوري بطلب من الجهات المعنية أو من تلقاء نفسه فيما يخص الرقابة على دستورية القوانين والمنازعات الانتخابية، غير أن ممارسة هذا الاختصاص موقوف على شرطين:
-رسالة الطعن.
-أن يكون القاضي الدستوري مختص بشكل مباشر في النزاعات التي من الممكن حدوثها.

ثالثا: الضمانات الدستورية للتفسير والتأويل:
إن التفسير والتأويل الذي يمارسه القضاء الدستوري المغربي، وضمانا لتحقيق العدالة وعدم إنكارها فإنه يتميز بكونه محاطا بضمانات تمنع الوقوع في الشطط لدى استعماله ونجمل ذلك فيما يلي:
1- الاستقلال والحياد.
2- الكفاءة والتجريد والنزاهة.
3- المصداقية والتوازن.
4- القضاء الجماعي.
رابعا: طبيعة تفسير وتأويل القاضي الدستوري:
إن سؤال الشرعية والديمقراطية يطرح وبشدة عندما أصبح القاضي الدستوري يتدخل بتفسيره وتأويله في إنشاء القواعد القانونية تحت ستار التصحيح، الإضافة، الاستبدال، الحذف…إلخ. وهكذا أصبح القضاء الدستوري يقدم على كونه منافسا لممثلي الأمة بل أكثر من ذلك هناك من ينعته “بحكومة القضاة”. وهناك اتجاهين:
1- القاضي الدستوري “فم” الدستور:
(سيقضي بكون مسألة التفسير والتأويل مخالفة أو مطابقة أو محايدة)، وبناء على هذه النظرية يظهر القاضي الدستوري بمظهر الفم الذي ينطق ألفاظ الدستور لا يخترع شيئا ولا ينشئ القاعدة القانونية وقدرته منعدمة على حد تعبير “مونتسكيو”، ومن هذا المنظور لا تطرح مسألة شرعية القاضي الدستوري ومدى توافقها مع الديمقراطية أي إشكال مادام همه التفسيري والتأويلي محايدا.
2- القاضي الدستوري “منشئ” للقاعدة القانونية:
إن القاضي الدستوري يمتلك حرية واسعة في تحديد معنى النصوص القانونية الغامضة فهو لا يكتفي بالقول بأن هناك تفسير أو تأويل صحيح أو خاطئ، وإنما تفسير أو تأويل “جيد” أو “سيئ” وهكذا يتدخل في تفسير النص وحتى في تطبيقه، ويبرر أنصار هذا الموقف بالتالي:

القول أن النص واضح: يعني معرفة معناه، بمعنى يجب أن يكون قد خضع مسبقا للتفسير والتأويل، وأن وضوح النص هو وسيلة لإخفاء السلطة الخلافة للمفسر والمؤول (إن وضوح النص ليس معيارا بل بالرغم من وضوحه يجب تفسيره).

بهذا يكون القاضي الدستوري خلق قاعدة قانونية باختياره من كل الحلول المطروحة للحل الأحسن. وهذا تم توجيه عدة انتقادات للقاضي الدستوري بتذكيره بأن دوره هو تطبيق القانون وليس خلقه.

-وأن هذا العمل التفسيري يؤشر على نهاية الدساتير “الوثائق”، ويجعل النص الدستوري الصلب يتعرض لتعديلات دائمة بواسطة القضاء الدستوري، فعملية التفسير والتأويل ليست عملية محايدة بل هي عملية تؤدي في عمقها إلى خلق القواعد القانونية.

وخلاصة القول أن القضاء الدستوري ليس مضادا للديمقراطية وإرادة الأغلبية بل آلية أساسية لحمايتها واحترام القواعد والحدود المرسومة من طرف القواعد الدستورية فالتفسيرات الدستورية للديمقراطية جعلت القضاء الدستوري وجه جديد للديمقراطية وحارس لمؤسسات دولة تقدم على أنها خاضعة للقانون، وضمان التوازن بين الأغلبية والمعارضة خارج فضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومراقب للحاكمين بعد اختارهم وفقا لمساطر الديمقراطية.

التأطير الدستوري

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *