إذا لم تثر فاصنع ما شئت

الثورة المأمولة المطمورة معالمها

بعد أن خاب ظن عبد الله العروي في المثقف العربي أقول: لقد خاب ظني في المواطن المغربي بعد انتخابات ألفين وواحد وعشرين، من يحكمُ؟ من يتزعم قيادة المصائر والأقدار؟ من يمارس السياسة بأهوائه ونزواته؟ كيف تتحقق الثورة المنشودة الرامية إلى استشراف مغرب مترقب ممكن؟ أليس المشكل الأساس المستعصي مواجهته هو الجهل الجمعي النسبي المهيمن على الوعي الجزئي؟

خيبة الأمل المتحدث عنها رديفة الوعي الفتي الذي تحلى به شباب طموح ساعٍ إلى التغيير والازدهار، جملة من حملة الشواهد العليا وذوي كفاءات ناضجة أجهضت أحلام التغيير في دواخلهم بعد الاقتراع المشار إليه سالفا، حينما أفرزت النتيجة بعد مواجهة غول الرشوة الذي التفَّ على كل من الأخضر واليابس، مسؤولية من هذا الهراء، هذا التعسف الذي طال الحضر والبوادي؟

الوعي الجمعي هو المسيطر دونما منازع، وأخرق من ارتأى عكس هذا الواقع المادي، لأن المنهاج الأكاديمي لم يكرس لذا الدارس إلا العزلة والانطواء، حيث أصبح التقوقع شعارا لكل ذي تخصص مجرد من حس العالم السفلي، فيصبح الوعي في حضرة الجهل العام محرما، ولا يجوز البتة البوح به أو محاولة تفعيله خدمة للإنسان والإنسانية، فيفسح المجال بعد هذا التراجع الغير مفكر فيه أمام الجهلة والجهال من ذوي النفوذ القبلي التاريخي ماديا ومكانة رمزية اعتبارية، فلنقل بإيجاز إن الواقع الاجتماعي وترسبات الموروث الاجتماعي انتصر على قيم الحداثة ومظاهرها، وعليه فالديمقراطية المأمولة مستبعدة في ظل التمثلات والعوائق التي تبناها الفرد في مجتمعنا المزدوج.

إذا لم تثر فاصنع ما شئت، إذا لم تتحرر من ربقة الخنوع لأصنام بشرية فاعلم أن الحرية التي تتوهم أنك تتقلب في كنفها واهية لا أساس لها من الصحة والكينونة، إن مسعاي نحو التحرر الجمعي جاء نتيجة المشاركة في استحقاقات هذه السنة، والتي باءت بالفشل الذي أعاد تشكيل بعد رؤية جديدة أسهم في فهمي لما يجري بشكل أوضح فصيح، كيف السبيل إلى الحد من هذا التعسف الذي طال ممارسة السياسة بشكل ديمقراطي؟

إن الثورة المقصودة هنا كي لا يجزئ أو يقص أحد أطراف الحقيقة الساعين إليها، ثورة الضمير الجمعي ”النحن”؛ ثورة الفرد في أدغال الوطن كما هي الحال بالنسبة لنظيره المتابع للوضع السياسي عن كثب، وإن كانا سيان لا يعيان ما يقع داخل العلبة السوداء التي تقابل مرحلة التصنيع، إن الحل المقترح هو صناعة نخبة مواطنة حقيقية تنذر وقتها وجهدها خدمة للصالح العام، نخبة تكون ترجمة لوصايا ابن خلدون ومكيافيلي، وما ورد في كتاب ”الحرية والدولة لجيفيرسون، طبقة من الشباب المثقف الواعي القادر على تجسيد دور الفاصل والحاجز بين النخبة السياسية والمجتمع بكل مكوناته وتنوعاته ومشاربه، من أجل تحرير الإنسان من عوائق العبودية والهلع المتوارث، ودليل هذا الطرح تخوف المواطن من الإدلاء بصوته لصالح منتخب ”س’‘، هذا الدافع ليس بالضرورة تخوفا مباشرا بقدرما يكون بغاية الحفاظ على مصالح ومآرب متباينة الفائدة، قد تكون هذه المصالح رخصة بناء أو رخصة لإقامة مشروع ‘‘س’‘ أو لسواد عيون المنتخب، كي ينبس بالمثل الشعبي”العام زين”، أو تسجيل مولود بدفتر الحالة المدنية، لا ينبغي الاستهانة بالمواطن أينما وجد، لأنه الاقدر على قلب الموازين وتحديد مصيره، يمكن القول بصيغة أخرى أدق؛ إن القرارات التي يتخذها كل من الفرد والجماعة لهي الواقع المعيش الذي يتخبط فيه كل من الصالح والطالح، لأن الخير في ما يتحقق يكون ضئيلا بالموازاة مع قيم الشر المتفشية المهيمنة.

إن الثورة الحقيقة التي ينبغي أن يحملها على كاهله كل مواطن لهي التخلص من كل ما يثير الدهشة والغرابة من مصدر خارجي، زمن الولاء للسيد ولى، زمن الهرولة وراء مصالح ذاتية اندثر، الجماعة الحداثية في بعدها التشاركي هي الحل، التضامن الجمعي هو السبيل نحو الحرية، نحو الكرامة، نحو قيم الخير البانية للنشء.

إن الجهل المتفشي في مجتمعنا لعائق من العوائق المكسرة لكل محاولات الانفلات نحو الازدهار، نحو اللحاق بركب الدول الرائدة في جُماعِ المجالات، ولا مناص أن الحل يكمن داخليا؛ كيف يفسح المجال أمام فرد ناخب لا يفقه شفرات اللغة أن يزكي منتخبا مثيله في الجهالة، ليتحكما معا في مصائر التراب والماء والهواء…؟ من بخس ثروات الوطن؟ من جعل السياسة لعبة بيد أطفال لم يبلغوا سن الحلم بعدُ؟

الرئاسة الجماعية للأكبر سنا، لا عفوا؛ للأصغر سنا، غدا يصبح الحمل شرطا، ويشترط في هذا الحمل أن يكون ذكرا يتكلم في المهد، بأسنان ثلجية منتظمة كأسنان المشط، بعد تطور العالم جراء عوامل الحداثة المعطوبة قد يكون من نصيب كلب لا ينبح ولا يصيد، بتعبير آخر شعبي ”يكون كلب الكُرنة ما ينبح ما يصيد”، أيها المثقف الحقيقي… إذا لم تثر فاصنع ما شئت.
كيف يعقل نبذ شباب مفعم بالوطنية الثابتة، لتُعَانَقَ الذئاب وبنات آوى؟ الاشتغال المادي يلزم مختبرا مرئيا كائنا ماديا واقعيا محسوسا، هو ذا الحق الذي انتزع من كل ذي لب، هي ذي الثورة اللازم خوضها، هي المشاركة المباشرة، هي تقبل الخسارات وتحسس نقاط الفشل، لا مجال للهروب أمام صحوة العالم وتطوره، المنافسة ثنائية، أولاهما ضد الفساد الداخلي، وثانيهما ضد قوى خارجية ساعية إلى الهدم.

ليس من اليسير إقناع جماعة من الغافلين بأن مصيرهم الحتمي مرهون بشهادة لحظية ”الادلاء بالصوت”، مصير أجيال يخرب جراء ادعاء الفهم والتأويل الصائب، إن الجاهل لاستراتيجيات التدبير وقانون الإدارة والإلمام بما يعد ثروة للجغرافية التابعة للنفوذ؛ لمن شأنه أن يصيب العمود الفقري للجماعة الترابية بشكل خاص، والإقليم ثم الجهة فالوطن بشكل عام، لأن الدافع الذي ينبغي أن يتحلى به كل راغب في خدمة الصالح العام لهو الإصلاح، المرتكز على مصطلح الشورى، الذي يستحق مركز الريادة سلمناه مفاتيح الأمة، والذي يستحق أقل من ذلك كلفناه بما يليق بكفاءاته وحدود معارفه وتصوراته.
قد حاولت جاهدا في هذا المقال القَلِقِ، أن أكون فصيحا مع قارئِي، أن أكون لسانَ كل مغربي وطني، فأهلا وسهلا ومرحبا بكل الأحرار، ولا عزاء مع الخائنين بائعي الذمم، الذين استرخصوا مصير أجيال فتية لم ترَ النور بعد، الذين تخلفوا حينما استدعتهم الضرورة إلى الفعل الصريح الحاسم، ليتعرى الوطن في الختام دونما وعي أو علم المسترزقين الذين جعلوا من الوطنية شعارا للربح لا الفداء، ورمزا للنهب لا البناء، ما هكذا تشيد القمم، ما هكذا تنهض الهمم، سيسجل التاريخ النوايا حينما تمتنع الأرض عن الجود بالعطايا.

إذا لم تثر فاصنع ما شئت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *