كائن محظوظ جداً بنفسه

افعل الخير وارمه في البحر

كانت طوال ثلاث سنوات تلجأ إلى النوم مثل يَتيمة مُتشرّدة؛ إذ بهذا فقط تستطيع أن “تقرص أذن” ذاكرتها، عَلّها تتراجع عن سرد الأحداث؛ الأحداث التي جعلتها تخون حزنها يومًا واحدا فقط في كل هذه المدة الطويلة. حيث حاوَلَتْ تطبيق إحدى العادات الإيجابية التي نصح بها ستيفن في كتابه، فَطالعَت عدداً لا يُعدّ و لا يحصى من مقالات تخص قضيتها وهي تردد من حين لآخر : ”كنت أريد فقط أن أتعلم و أجد أجوبة مُقنِعة لتساؤلاتي“.

لكن أختَها الكبرى أبت إلّا أن تُقاطعها باتصالها والدموع تتساقط على وجنَتيْها، التي بالمناسبة أصبحت تناديها بـ “الهَيّنة”، حيث أضحت لا ترفض، لا تعترض، لا تُحدث جلبة و لا حتى تدافع عن نفسها بسلاحها الوحيد، ألا و هو عنادها. و كنتيجة لهذا، أصبح الكل يستمتع بالحديث الطويل معها، إذ لا تقاطع متكلم قط و التي غالبا يخبرها بعد انتهاء النقاش، أن شخصيتها تعكس عمرا افتراضيا يفوق عمرها الواقعي، و كأنه نسِيَ أن لكل فعل ردة فعل وسبب وربما أسباب متعددة. والحقيقة التي تجاهلها أغلب أقربائها ألّا رغبةَ لها لتشرح. لتشرح أنه ليس نضجا أو عقلانية. بل انطفاء!
لا رغبة لها في أن تنهض من سريرها، ترسم، تكتب، ترقص، تبتسم […] لكن ترغبُ جدّاً في أن ترْغَب!

كان لا بد أن ترتدي قناع المرأة العجوز صاحبة الحكمة فوراً. لتحُثّ أختها على اللجوء إلى المولى، إذ الدمعة التي لا تسقط على سجادتها استثمار خاسر لا يمحق الحزن بل يُربّيه، ذَكّرتها بأننا في دار الابتلاءات، حيث أتقنت أدوار من تستمع لمحاضراتهم كل يوم لعلّ وعسى تتصالح مع الحياة. ثم غمغمت قائلة : “فاقد الشيء يعطيه، يعطيه بالشكل الذي تمَنّى أن يحصل عليه”.

لعنَتِ الليلة التي ضاجع فيها والدُها أمَّها، فكانت نتيجة تلك اللذة اللحظية. لعنت المجتمع المتخلِّف الذي يؤمن بالصحة الجسدية فقط. لعنت محيطها الذي يرى أن “شرَف المرأة يتجسد في بكارتها”؛ لعنت كل من يخاف منها أو بعبارة أدق، يخاف من ما تكتُبه وما ستكتبه مستقبلا، أو بصيغة أدق من الأولى، يخافون من أن تخط يدها حقيقتَهُم، وشبحه لا يزال يستمع إلى طبول قلبها و هي تدق خوفاً!

لكزها حنينُه واستَوْطنتها تفاصيلُه وخاصة وجهُه الطفولي، صوته الرجولي ومواقفه الطيبة والأهم، الأمان الذي تشعر به وهو يجلس أمامها. « أنتِ عظيمة جداً، تذكري هذا دائما وفي كل زمكان » كانت هذه آخر جملة ألقاها على مسامعها، وهو يفتح الباب ليغادر مسرعاً، حيث أخذتها بعين الحب والدهشة.

حينئذ كانت تريد فقط أن تعرف الخير الذي فعلته حتى يجازيها الله به.


أما الآن، بعدما تجاوزته، بعدما لكَمَتها الحياة عدة مرات، بعدما قررت أن تتخذ ” يكفيني شرف المحاولة“ شعاراً لها، تريد أن تحيى لأجلها وفقط أو من باب المصداقية، لأنها كائن محظوظ بنفسه جدا جداً.

كائن محظوظ جداً بنفسه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.