الرجولة في الميزان

الرجولة، وما تعنيه وما المقصود منها، وكيف يفهَمُها ويترجمها المجتمع؟.
ترى شريحة من الناس في مجتمعنا العربي أن الرجولة تأثرت الى حد كبير بنمطِ وأسلوب، الحياة الغربية، فتغير وجه الرجولة تماما، وسلوكها الظاهري، وربما معنوياتها أيضا، وأصيبت بالانحلال والتفسخ، إلى درجة غير مقبولة من شرائح أخرى في المجتمع في نظرة تشاؤمية مخالفة لجوهر ومضمون الحقيقة تماماً، لأنه افتراضياً، لا تقدر حالة نسبية فئوية معينة لشيء ما، لتكون قياساً أو نمطاً عاماً مماثلاً ، يصل إلى درجة التعميم لكل حالاتِ أطياف النسب المختلفة أو المغايرة في المجتمعات العربية كلها، مهما كثرَت الاجتهادات والآراء الشخصية.

لن أكون متشائما مثل بعض المُنظِّرين الفئويين أيضا، الذين يقللون من حظوظ القيمة الفعلية والمعنوية للرجولة في مجتمعنا العربي المعني بهذا الأمر خاصةً. لكن الضبابية التي تلف المشهد، هو كيف يرى ويترجم الفئويون أنفسهم، أو كل فئة في مجتمعنا العربي أو القبيلة ” الرجولةِ “.

الأمر الذي ترى فئة مكثري الزواج أن الرّجولة تكمن في الخصوبة والقوة والفحولة، كذلك رياضيو رياضة رفع الأثقال يرون أن الرجولة في كمال الأجسام وقوةِ العضلات وليس العقل، بغض النظر عن سذاجة القوام الطبيعي وتشوه شكل الأجسام . أما البدو رعاة البقر والماشية يتخيلون الرجولة ؛ أن يكون ابن العشيرة سِبعاً، أو سامّا كالثعبانِ، وفارسا مغوار. هاته الرجولة في المجتمعات العربية ضمنياً، تفصل وتقيّف وتُكيّف لِلَابسِها بالمَقاس، بمعرفاتِ كثيرة، لتوائم المشهد الذي يناسب حَال الوضع او الصورة الماثلة للبيئة التي يسكنها ويألفها المجتمع أو القبيلة ، سواء في المجتمعات الثابتة أو المتحولة.

من غير المستبعد أن تكون للرجولة في حياة البعض مفهوماً خاصاً وطقوس وحالات ومتغيراتِ، فبمجرد أن يتغير الحال والوضع تتحول الرجولة دراماتيكيا الى مشهد آخر مغاير منفصل، غير الحالة المعتادة أو المألوفةِ في المشهد الأول !

في الجانب المشرق الواعي، يكون للرجولة معنىً، ومفهوم آخر مكتمل، يُمثل الحكمة والعقل والاتزان ومواقف الإنسانية التي تتطلب الرجولة فيها وقفة صادقة.

الأمر السيئ أن يمثل معنى الرجولةِ صورة صادمة للنفس، والعقل حين تتغير الرجولة كيميائيا وتتبدل في شخص متلون، تخرج في كل مرةٍ بشكل مغاير مجافٍ لمبادئ وقيم المجتمع، لا يمكن بأي حال التصور بأن الرجولة ومقاصدها في أي زمنْ أنها مجرد تمثيل في تمثيل، بحيث تُجبر الرّجولة على التلوّن، لتتموسق حسب الرأي أو المزاج أو المكان مع الحال الذي يظهرُ في الواقع المتقلب، الذي يرضي شغف الوضع القائم حتى لو خالفت الرّجولةُ الاعتقاد والمبادئ والقيم والمكانة والأصول الطبيعية والقانون.

أضحت الرّجولة في عالمنا اليوم مجرد كلمة مطاطية، تتكيف في تحركاتها مع توجه بوصلة الرغباتِ، في بعض الحالات والمواقف، تكون مؤشر لمخرجات صادمة خادشة للحياء ولمعاني الرجولة. ربما يرى البعض تحول وتغير مظاهر الرجولة في الشخصية العربية لا يوافق العادات والتقاليد، صحيح، ربما يحدث خللٌ طارئ مُخالفٌ لأشياءٍ متعارفٌ عَليها في المجتمع، ومع ذلك ومن الممكن وبدون جهد كبير يمكنُ تغيير المسار. ولا أنكر أنه لما يزل مفهوم الرجولة يتأرجح في تفسير نظريات الفئويين في بعض المجتمع العربي، الذين يصيرون الرّجولة في المجتمع الواحد حسب آرائهم، بحيث أن تكون خاضعة لفكر أو نهج أوعادة الوضع البيئي المناسب، ولا يكون قائما على مفاهيم ومبادي القيم الصحيحة للإنسانية، أخيراً الرجولةِ بشكل عام، لا تُخْفَى ولا تغفل الجانب الإنساني وجميل السجايا والالتزام بأدب الواجب والعقلانية. وتظل ماثلة في صفات كثير من الناس في مجتمعنا العربي بلا شك، فلا تنسب الرجولة الى مجرد شيء يتعلق بالمظهر، كما انها مرتبطة بالمبادئ والقيم النبيلة. ” وسمة للضمير الحي، والايمان بالمبادي والقيم الإنسانية، وتقدير الذات والمسئولية ” ولم تكنْ مرتبطة ومحددة بدين أو حضارة أو عادات مجتمعية أو قبلية او بعلم وجهل.

وما من شك أنَّ العادات والتقاليد كانت تؤثر نوعا ما في حياة وحركة المجتمع ، لكنها ليس بالضرورة، ملازمة للثوابت القيمية لتصورات إيمان الفكر لدى فرد أو جماعة في المظهر والسلوك . حيث أن الرجولة تعنى كل الصفات والمكتسباتِ الإيجابية والمثالية التي ترقى بسلوك وتصرفاتِ الفرد الى درجة عالية حتى في تعامله مع الآخرين، بغض النظر عن انتمائه الأيدلوجي، أو دينه أو مذهبهِ.

ولكن برغم وجود حالات الانحلال البسيط والتفسخ المجتمعي، لا اعتقد بأن الرجولة في المجتمع العربي تأثرت كثيرا جدا بمظاهر الحياة الغربية، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية، كما أؤمن بأن البنية الأساسية في المجتمع العربي بخصائصها الجيدة والمبادي والقيم الأصيلة ضاربة في أعماق التاريخ بحيث لا تقبل التشكيك أبداً في أصالتها المادية والمعنوية ونزاهتها، وما يذكر أو يمس معرفاتها الطبيعية وسماتها الحقيقية بسوء، حتى في وجود بعض الخلل فيْ سلوك وتصرفاتِ فئة من الرّجالِ لأتمثل العوام، لأن التغيير أو التأثر لا يطغى على الجميع، و لا يطال كل فئات وشرائح مجتمع ما بعينه، ليكون التغير شاملا لطبيعة أفرع وأذرع الحياة، وهذا ما لم يحدث أبدا في مجتمعنا العربي حتى الآن.

إنه بمقدورنا أن نقول أن ما يطرأ من تغير على سلوك ومظهر البعض لا يمثل كل أفراد المجتمع، ولو سلّمنا مثلا أنّ كل الرجال يتجهون الى التفسخ في مجتمعنا، فإننا بذلك نقطع حبل الثقة والرجاء في نفوس النساء بصلاح الرجال الى الأبد، ونزرعُ في نفوسهم الى جانب عدم الثقة، اليأس والخوف والحرمانِ من عدم الارتباط. كل الذرائع التي تختلق أسبابا لانحلال الرجولة نسبة الى وسائل التواصل الاجتماعي، هي مجرد مخاوف وتكهنات وتغييب للعقل. فماضي كل الحضاراتِ في المجتمعاتِ لم يشر مرّة الى انتفاءِ الرّجولةِ كلياً أو تأثرها بفكر وبأمور وعاداتِ تمارس في الحَياةِ الطبيعيةِ ، بل أنَّ أسلوب الحياةِ الطبيعية يمد جسوراً للتواصل والرقي وتنمية أواصر العلاقاتِ الاجتماعية واحترام العاداتِ والقيم والتراث الفكري والإنساني بشكل طبيعي دون لبس وخوف.

لا أؤمن بأنّ قيم ومبادئ الرجولة في الوطن العربي، تأثرت الى حد كبير فتحاكي أو تعكس حالة مطابقة لنمط وأسلوب الرّجولة لحياة المجتمع الغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *