الاستشراق

مفهومه تاريخه رموزه أهدافه السياسية والدينية والاقتصادية

لم نقف عند لفظ الاستشراق من جهة معناه اللغوي فهذا يرجع إليه في مظانه، وإنما الذي يهمنا هنا هو معناه الاصطلاحي، وقد حده كثير من العلماء بعبارات مختلفة ترجع في مدلولاتها إلى معنى واحد وهو: دراسة كل ما يتعلق بالشرقيين من ثقافة وتاريخ … إذا نحن هنا أمام تيار فكري _بغض النظر عن الخلفية التي يتبناها_ غربي اتجه لدراسة الشرق الإسلامي بالدرجة الأولى ثم أردفه بدراسة الشرق كله.

لكن لا يعرف بالضبط متى بدأ الاسشراق بهذه الكيفية إلا أن الدكتور مصطفى السباعي استطاع أن يجزم لنا من خلال ما درسه واستنتجه أنه بدأ في الوقت الذي كانت فيه الأندلس في أوج عظمتها حينها تسلل إليها بعض الرهبان يحملون خلفية مسيحية تبشيرية، فقاموا بترجمة تلك العلوم التي كانت قائمة هناك وخاصة منها ما يتعلق باللغة العربية إضافة إلى علوم أخرى ( العلوم البحتة).

ومن أهم رموز هذا التيار الراهب الفرنسي” جربرت” الذي تعلم في معاهد الأندلس. و “بطرس المحترم” و “جراردي كريمون” هؤلاء هم البذرة الأولى للاستشراق الذين سرعان ما عادوا إلى بلادهم بعد أن تشربوا الحضارة والثقافة العربية الإسلامية، وقاموا بتأسيس معاهد ومدارس خصصت لدراسة العلوم العربية حينها نشأت حركة علمية مزدهرة دامت ستة قرون، إلى أن جاء القرن الثامن عشر الذي تزامن مع استعمار العالم الإسلامي أو استخرابه كتعبير أدق من خلال التحجير على ممتلكاته ومن ثم بدأ النبوغ الاستشراقي يتطور بصورة أكثر على يد كارزمات أوروية التي استطاعت الحصول على نوادر اللغة العربية ومخطوطات العلوم الإسلامية بصفة عامة بغية نقلها إلى مكتبات أوروبا وكان عددها حينئذ بالآلاف، إلى أن جاء الربع الأخير من من ق 19 الذي اتسم بعقد مؤتمر للمستشرقين سنة 1873 ولا زالت المؤتمرات تعقد إلى يومنا هذا كما نوعا.
وكان من وراء هذه الحملة الاستشراقية المسعورة التي قادها الأوربيون المتعصبون أقصد _لأنه يوجد منهم من كان منصفا أمثال “زگريد هونكه” _ أهداف سياسية ودينة كما اقتصادية.
فمن الأهداف الدينية إدخال الريبة في قلوب المسلمين تجاه قرآنهم ونبيهم، إضعاف ثقة المسلمين في تراثهم الحضاري وقيمته بدعوى أن المسلمين مجرد جسر تم من خلاله نقل حضارات الأمم الأخرى إلى هذه الأمم، ولم يكن لهم أي إبداع في هذا المجال، لكن هذا الطرح سرعان ما نجده متخلفا عند بعض المستشرقين أنفسهم. كما أن هدف الاستشراق أيضا تشكيك المسلمين فيما يمتلكونه من عقيدة خالية من الشوائب والمكدرات ليتيسر لهم بث سمومهم الفكرية داخلهم ومن ثم اتخاذهم عبيدا لهم. إضافة إلى إضعاف صرح الأخوة بين مسلمين ومن ثم اجتثاته من أصله من خلال إثارة النعرات القومية والعرقية التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: “دعوها فإنها منتنة” . وصنيعم هذا يوحي بمدى حقدهم على الإسلام والمسلمين. هذه أبرز أهدافه السياسية والدينية.

أما عن الهدف الاقتصادي فهو هدف مادي صرف لا علاقة له بأي دين أو سياسية، وإنما هدفه منصب بالدرجة الأولى على الجانب التجاري فيأتي المستشرقون إلى بلد إسلامي بتمويل من طرف شركة أو مصنع ليتعرفوا على خيرات ومقدرات تلك كما يهدفون إلى استكشاف قدرتهم الشرائية، فمثلا عندما بدأت النهضة الاقتصادية في أوروبا احتاجت مصانعها إلى مواد خام وطبعا هي غير موجودة عندهم لكن من الضرورة الاستعمارية أن يقوموا بجلبها من بلدان إسلامية وذلك بإرسال بعثات استكشافية هدفها الاطلاع على طبيعة تلك المواد ومن ثم البحث عن كيفية استيرادها وتحويلها إلى منتجات استهلاكية، لكن كان من الضرورة الاقتصادية أن يسدل الستار عن متطلبات تلك الشعوب وما تحتاجه حتى يكون التطابق بين العرض والطلب، لكن هذا الهدف كان ثانويا اتخذ ذريعة ووسيلة لتحقيق هدف أسمى لديهم وهو الهدف الديني عن طريق اختراق المجتمعات الإسلامية.

الاستشراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *