وسائل التواصل الاجتماعي “آفة العصر”

سلبيات ومخاطر التدمير الاجتماعي

على الرغم من أنها سلاح ذو حدين وكما أن لها سلبيات لها إيجابيات أيضا، إلا أنني لن أركز على إيجابياتها في هذا المقال لكونها ضئيلة مقارنة بسلبياتها وأضرارها…

وسائل التواصل الاجتماعي اليوم لا تمت للتواصل بصلة، هي وسائل التدمير الاجتماعي، أو السلبية الاجتماعية، فهي تعمل على نشر أفكار خاطئة ومعتقدات مغلوطة ورفع نسبة التوتر لدى الفرد وإبعاد الشخص عن حياته الواقعية ليعيش في عالم افتراضي مليء بالتناقض والزيف والخداع والتنمر.

هي وسائل لم تقدم شيئا عظيما للبشرية، بل على النقيض ساهمت في الانعزال عن العالم الواقعي وخلق فجوة في العلاقات الاجتماعية خاصة الأسرية منها، وإصابة العديد من الأشخاص بأمراض نفسية متعددة نتيجة الضغط المهول للأخبار السلبية التي يعاينها الفرد على مدار اليوم. ولم يتوقف تأثيرها عند هذا الحد بل تجاوزه إلى الترويج لكل ما هو مادي بحت والتركيز على المظهر الخارجي للشخص وما يملكه وكيف يعيش تفاصيل حياته، فأصبح كل منا يحاول إثبات وجوده بطريقة لاشعورية من خلال ما يمتلكه سواء منصبا كان أو سيارة أو جمالا أو غيره، فتم تقزيم قيمة الفرد في عدد متابعيه وعدد الإعجابات على منشوراته وثناء الآخرين عليه.

وسائل-التدمير-الاجتماعي
وسائل التدمير الاجتماعي فرقت الأصدقاء في مجامعهم

فكيف لنا أن نرغب ونطالب بمجتمع سوي وأطفال وأجيال واعين ومثقفين مدركين لحقيقة تواجدهم وواثقين من أن قيمتهم الحقيقية في جوهرهم ومبادئهم في خضم كل هذا الهراء والعبث؟ كيف لنا أن نعيش دون توتر وبسلام داخلي ونحن بعيدون كل البعد عن حياتنا الواقعية، بعيدون عن أنفسنا لا نستطيع فهم مكنوناتنا ولا تحديد أولويتنا ولا معرفة قيمتنا الحقيقية ولا هدف وجودنا، بل نعيش في صراع دائم مع أنفسنا من أجل تحقيق الذات بالطريقة التي صورتها لنا هاته الوسائل، فأصبح الفرد منا يعيش في تيه لا يعلم أي السبل أصح؛ وكل هذا الشتات يكون بسبب تأثير ما نراه ونشاهده على عقلنا اللاواعي مما أدى إلى اختفاء المبادئ فجأة وبطريقة غريبة. فاختفى معها كل ما يجعل من المرء والإنسان مميزا ومكرما وحاملا لأمانة عظمى حيث أُلغي التفكير السليم وحل محله العبث واللهو والرغبة في امتلاك كل شيء بأقل المجهودات ودون عناء ..

عن أي إيجابيات يمكننا أن نتحدث ونحن نشاهد كل هذا الخراب الذي ألحق بمجتمعنا؟ أحقا هاته الوسائل سهلت لنا التواصل وأتاحت لنا محادثة البعيد والقريب بطريقة سلسة وجعلت من العالم قرية صغيرة يستطيع كل منا أن يتواصل مع من أراد وقتما أراد؟ وهل هذا فعلا ما كنا في حاجته؟ هل كل ما كان ينقصنا كأمة هو تسهيل عملية التواصل بهذا الشكل؟ مع العلم أن هذا التواصل أصبح مجرد تواصل وهمي غير حقيقي يجعل من الشخص يفقد الرغبة في اللقاء والتفاعل الاجتماعي الواقعي.

وسائل-بناء-جدار-العزلة
وسائل بناء جدار العزلة حتى داخل البيوت بين الآباء والأبناء

هذا من جهة، ومن جهة أخرى ما هي الإنجازات التي قمنا بها نحن كعرب في هاته السنين الأخيرة بغض النظر عن بعض الاختراعات والإنجازات التي تعد على رؤوس الأصابع. هل حققنا ثورة علمية مثلا أم هل حاولنا توصيل وتبليغ ديننا الإسلامي إلى بقاع أخرى بطريقة سلسة ومن خلال رقي أخلاقنا مع العلم أننا أمة أمرت بالتبليغ ونشر الإسلام من خلال قوله صلى الله عليه وسلم “بلغوا عني ولو آية” أم على العكس تماما شوهنا الصورة الحقيقية للإسلام وبلغنا للعالم أجمع أسوء ما فينا من انحلال أخلاقي وتناقض مريب وتعصب لا مثيل له فجعلنا الناس تخشى الإسلام وترهب منه بدل أن ترغب به وتحبه، فلم نطبق ما قال عيه الصلاة والسلام “بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا”.

عن أي تواصل نتحدث إن لم نستطع أن نظهر للعالم أن ديننا هو منبع السلام والجمال والرأفة والرحمة والتسامح واليسر والأخلاق النبيلة والشهامة والمروءة …ألم تكن أمتنا وعالمنا العربي أكثر إنجازا وفعالية ورقيا في حين لم تكن كل هاته البساطة واليسر في التواصل وتوصيل المعلومة؟ فأين الخلل إذا؟ أليست هاته الوسائل سوى وسائل سرقت منا العديد من الساعات يوميا سرقت منا الجهد وقوة التفكير وأصبحت إدمانا لدى العديد منا، إدمانا فعليا حيث تجد نفسك لا تستطيع الابتعاد عنها رغم كرهك لها، جعلتنا لا نستطيع التركيز في كل عمل نقوم به وأثرت بشكل كبير وواضح على إنتاجية الفرد منا.

لا أعتقد أن هاته الوسائل اخترعت من أجل إصلاحنا ولا حتى من أجل تقدمنا بل فقط من أجل هلاكنا وتضليلنا وجعلنا أمة لا تملك أبدا زمام أمرها، أمة مغيبة فكريا وعقليا ووجدانيا …

وأقول لكل من يعتقد أنها ساهمت في توصيل المعلومة وتثقيف المجتمع؛ على العكس تماما فالمعلومة الحقة والقيمة هي التي يبحث عنها المرء ويتعمق في التنقيب عنها من خلال الكتب والمراجع والمقالات العلمية، ناهيك على أن معظم المعلومات التي يروج لها عبر هاته الوسائل تفتقد إلى المصداقية، فالثقافة عموما توجد في طيات الكتب ولدى كبار العلماء في المعاجم والمكتبات ونستطيع استقاءها من خلال البحث الدقيق والتمحيص والتفكر… من يرغب في المعلومة والثقافة فلن يبحث عنها في هذه الوسائل التي شوهت بكل ما تحمله الكلمة من معنى الحقيقة المجتمعية التي نعيشها، وأبدت إلى أي حد أصحبنا أمة تافهة لا تمتلك أي مبادئ، كل ما يحركها هو الطمع وحب الظهور والشهرة والمال؛ أمة تجد قيمتها في أشياء ثانوية إن فقدتها فقدت معها قيمتها.

إن الفرد والإنسان السوي يعلم أن قيمته تكمن فيه وليس فيما يمتلك؛ قيمتك أنت من تحددها من خلال إنجازاتك الفردية التي تعلمها بمفردك، فكل إنجاز تقوم به مهما كان صغيرا وكل مبدأ استطعت الرسوخ عليه وكل عمل خير وإحسان تقوم به في الخفاء هو ما يحدد قيمتك لدى نفسك وليس ما يبدو للآخرين من خلال نظرتهم لك ولا حتى إعجابهم المزيف بما يظهر منك من قشور ..

فيديو مقترح حول مدى ضرر وسائل التواصل الاجتماعي

قيمتنا تكمن في الخطوات التي قمنا بها من أجل بلوغ أهدافنا، في التحديات التي واجهتنا واستطعنا اجتيازها، في انتصاراتنا الداخلية وتغلبنا على ما يعيقنا في كل ما يجعلنا نقاوم ولا نستسلم للظروف، هي ما تشعر به من سعادة وسلام في آخر اليوم لأنك قدمت شيئا جميلا ونافعا لنفسك وللآخرين.

قيمتك هي في محاولاتك الدائمة في مجاهدة نفسك والارتقاء بها لأنك تعلم جيدا أن الله يجازيك على سعيك في الدنيا وليس السعي سوى بمجاهدة النفس لتصل إلى سلامك الداخلي. هاته هي القيمة الحقيقية للإنسان التي تنبع من جوهره وفضيلته وتحددها أخلاقه ومبادئه وتجعله يعيش متوازنا سويا قادرا على تحقيق هدف وجوده. هذه هي القيمة إذا التي غطتها وشوهتها وسائل التواصل الاجتماعي فجعلتنا نفهم ونستوعب كل شيء بعكس ما هو عليه ونحدد قيمتنا من خلال الآخر، وهذا أكبر تدمير نفسي يمكن أن يحدث لأي منا إن لم يستيقظ من سباته…

وسائل التواصل الاجتماعي “آفة العصر”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *