ماكس فايبر والسياسة

شذرات للتأمل من تركة عالم اجتماعي وفيلسوف ألماني

أبدع حقا ماكس فايبر max weber فقد كان عالما موسوعيا ألمَعِيا في الاقتصاد والسياسة، وأحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث ودراسة الإدارة العامة في مؤسسات الدولة في تنظيراته السياسية؛ رسم كلاما بليغا يوزن ذهبا، كلام جدير بالدراسة والبحث والتأمل والتحليل، ففي محاضرته : Le métier et la vocation d’homme politique” والذي سنقتبس من معانيها وأفكارها بعض الدرر المفيدة والرفيعة، مقتصرين على مقتطفات هامة دون ترتيب معين لأهم ما جاء فيها مع مقاربة بسيطة تعليقا عليها.

يشير ماكس فايبر و يقول بأن: “هناك طريقتان لممارسة السياسية: فإما أن نعيش من أجلها وإما أن نعيش منها”.

وهنا تجدر الإشارة أنه اليوم يصعب فصل السياسة عن السلطة والجاه والرغبة في الظهور والبروز والترف، لذلك ينقسم الناس إزاءها، ففريق يدخل السياسة من باب المبدأ والدفاع عن المصلحة العامة ورعاية مصالح المواطنين وهم نخبة وأقلية، لكن بعد فشلها في تحقيق أحلامها سرعان ما تعتزل السياسة وتتوارى إلى الخلف، وفريق ثان يتحول إلى هدف آخر هو كيفية البقاء في سدة القيادة والسيطرة على ما تبقى من الأتباع. وفريق ثالث يلج السياسة ابتداء من أجل البحث عن مورد حقيقي للمال وهؤلاء هم الأغلبية الساحقة اليوم.

“ينبغي الإقرار أن الأعيان يظلون الممسكين بتلابيب السلطة في التنظيمات السياسية”، وهذا ما نبه إليه ماكس فايبر متحدثا عن القوة الحقيقية المتحكمة في الأحزاب حتى المسماة أحزابا ديمقراطية وهي قوة الأعيان، وهذا جلي اليوم والمتتبع للشأن السياسي يرى بالفعل تغلغلهم وتحكمهم في جل التنظيمات الحزبية إن لم نقل كلها.

ماكس-فايبر
ماكس فايبر

يشير ماكس فايبر أيضا من خلال محارضته التاريخية وكذا من خلال مخرجات كتابه الرصين “العلم والسياسة بوصفها حرفة” إلى ثلاث مزايا وصفات حاسمة تصنع رجل السياسة : الرغبة –روح المسؤولية – الرؤية. الرغبة صفة نفسية والمسؤولية صفة عملية بينما الرؤية صفة عقلية.

من النقط المضيئة أيضا إشارته إلى: “مسألتان قاتلتان في السياسة وهما عدم الدفاع عن أي قضية والافتقاد إلى المسؤولية”.
وهنا أتوقف قليلا بالقول إلى أنه عندما تنعدم المبادئ والأخلاق وتذهب المسؤولية تموت السياسة.

طرح آخر أشار إليه ماكس فايبر : “أي أمة تتجاوز عن الخسائر المادية اللاحقة بها لكن لا يمكن أن تغفر الإهانة التي تتعرض لها”، فلا ينبغي إهانة أمة أبدا لأن الضعيف لا يظل ضعيفا أبد الدهر.

بحكم تعاليم البروتستانية ودراسته واطلاعه الواسع على مختلف الديانات، يقول من وجهة نظره ومرجعيته الإيديولوجية والدينية بأن “الذي يرغب في التصرف وفق أخلاق الإنجيل ينبغي أن يتنازل عن القيام بالإضراب لأن الإضراب نوع من الإكراه ومن ثم لا يبقى له من حل سوى الانضمام إلى النقابات الصفراء”.
يستشف في تقديري المتواضع من ذلك الطرح أنه من الصعب الحفاظ على التقوى والفضيلة والأخلاق عند الانغماس في السياسة، كما أن الثياب لا تصنع دائما الراهب.

من أهم الأمور الأخرى التي أشار إليها فايبر “الوسيلة الحاسمة في السياسة هي القوة”، فالسياسة هي صراع القوى وليست صراع النيات.

“نجاح القائد يقوم على طريقة اشتغال جهازه المشتغل معه، ولهذا يرتبط أيضا بالدوافع التي تحرك مؤيديه وليس الدوافع التي تحركه هو”، وهذا هو الفاعل السياسي الذي نريد اليوم، الذي يعمل وفق مقاربة تشاركية، فاعل سياسي مسؤول ويقظ يتفاعل مع هموم المواطنات والمواطنين ويتجاوز كل الخلافات، يجمع أكثر من أن يفرق، ويرتقي بالفعل السياسي نحو الأفضل، ينأى بنفسه عن كل النيات السيئة والحسابات الضيقة ويفكر بعمق وروية في قضايا الشأن العام، من أجل نهضة وتنمية وخدمة هذا الوطن العزيز.

ماكس فايبر والسياسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *