ضربتني أمي لأنها تحبّني

تأثيرالقمع والعنف والتسلط على نفسية الأطفال مستقبلا

تأتي على الإنسان ظروف تعصره حد الليونة والخضوع لقرارات هو لم يكن طرفا فيها، قرارات اتُخذت بناء على حاجة نفسية أو رغبة يتوجّب إشباعها أو تحت تأثير ظروف قاهرة أو احتياجات وأولويات ( مجتمعية ) طارئة.

من بين هذه القرارات التي لم نكن طرفا فيها لأننا لم نكن وقتئذ موجودين، حيث كنا مجرد فكرة أو رغبة قيد التنفيذ، سيتم إشباعها بين طرفين وحصيلتها ” أنت “، عندما يتفق اثنان ( والديك ) بإنجابك وأنسنة رغبتهم وإحضارك إلى هذا العالم.

يمكننا أن نتسامح مع القرار ونرضى بأنه تحقيقا لسيرورة الحياة، لكن عندما يصل لدرجة محددة يهين الأشخاص الذين يقع عليهم آثار تلك القرارات سيصبح حكما مجحفا غير عادلا يحكم على مصير حياته بالكامل.

هذا القرار بطلته “الأم” و لن ننفي ” الأب” كمسؤول هو الآخر، لكن المشكلة ليست في القرار بحد ذاته، لكن تبعات ما بعد القرار وهي سيدة الموقف، إنها “ الأمومة“.
يقول مصطفى حجازي “أن الرجل يمتلك المرأة في علاقة السيطرة والتبعية، ولكي تجد لنفسها تعويضا عن ذلك، تمتلك الطفل، فمن خلال تضخيم قيمة الأمومة تتضخّم قيمة الطفل، ليصبح كشيئ” تمتلكه الأم أساسا، كجزء من كيانها. وهكذا تقع في العلاقة التملّكية، يدفع ثمنها في النهاية الطفل، كثمن تعويض المرأة عن الغبن والقهر الذي يلحقه بها المجتمع“. ( كتاب التخلف الإجتماعي-سيكولوجية الإنسان المقهور، ص:223 بتصرف).

فمن طغيان الأنوية (اللاواعي) عند الأمهات اكتنافهم ذلك الإحساس بجعل أنفسهن يفكّرن عن أبنائهن، يقرّرن في مصيرهم، ليصل الحد في تحديد الطريقة التي يجب أن يفكروا بها، حتى في ما يحبون القيام به يضعون الأمر بين أيديهن في اختيار ما يلبسونه وتوجيه ميولهم حسب مزاجهن.

فالقدسية والسمو كمعاني صنعها المجتمع للأمومة كوظيفة خاصة بالأم، وظيفة هامّة ترضي المرأة داخليا، وحيث أن حملها لطفلها تسعة أشهر في أحشائها، الأمر الذي لا يمكن إنكار تقديره ويتوجب امتنانه، معتقدة أن هذا يعطيها الحق في أن تمنح لنفسها المشروعية في السيطرة وشلل وجوده بقية حياته من طفولته ومراهقته وزواجه، وظيفته حتى اختيار اسم مولوده، وتطلب منه أن يتحوّل إلى “شيء” تمتلكه الأمومة وتوجّه إليه اهتمامها (يقول مصطفى حجازي).

لكن ما تحاول أن تتقنّع بستاره وتخفيه هو وجود مقابل كياني خلف ممارستها للأمومة، حقيقة وبكل واقعية فهي تخدم غرض حاجاتها النفسية، لتضمن وجودها في الأسرة والاعتراف بإنسانيتها داخل محكمة المجتمع، وفي أحيان أخرى لكي يستمر حب زوجها لها ولإثارة قليلا من إنتباهه، تستنجد بذلك الطفل على وجه السرعة لإنقاذ عش الزوجية المتهالك عاطفيا الآيل للسقوط، وترميمه على حساب هذا المخلوق الصغير لمجابهته لهذا العالم الكبير الذي لو اختير للنزول إليه سأعتقد جازمة أنه لن يفعل.

من جهة أخرى، من منا في مرحلة معينة من الطفولة لم يتعرض للضرب والتربية المتوارثة ثم بحر من العقد النفسية الغائص فيها آباؤنا أحدهما أو كلاهما ليشكلوا ثنائيا متناقض معرفيا، وعندما يحس بتأنيب الضمير يسحبك إلى حضنه ويغدقك بالقبلات والأحضان، ليبرر ضربه لك بأنه من خوفه عليك وحبه لك لاشعوريا قام بذلك، ويقوم بتبرير عدم استقراره الانفعالي الذي لا يطاق ويساعده في ذلك “المجتمع” لتصبح سلوكات “أبوية” مشروعة بحق الطفل لا تقبَل النقاش والتغيير.

أتذكر عندما كنت طفلة صغيرة، حدثت حالة اختفاء لطفل من العائلة، بعد إيجاده أخذت أمه بمعاتبته وصفعه على وجهه البريء عقابا ” لفعلته”، الأمر الذي حيّر ذهني وقتئذ، كيف أنها كانت ستنفلق قبل قليل من فقدانه، و الآن تصبّ جامّ غضبها عليه إزاء تصرفه العفوي كطفل، هذا التصرف المخيف الذي أشهد فيه تقلبات فجائية في شخصية الأم لم تكن سوى تفعيل المشاعر المختلطة الواحدة الغير الثابتة.

كنداء استغاثة من طفولة متعبة ومقهورة، لا تجعلي جملة “ أمّي ضربتني لأنها تحبّني” قاعدة في أسلوب تربية أطفالك، فهي طريقة ملتوية ومخادعة وغير شريفة تقدمينها لطفلك يبني عليها شخصية عاجزة وغير حقيقية سيعاني منها محيطه، وهو ما سيثير خوفا من نتائج عقد نفسية وسلوكات شاذة متراكمة تصل عتبة الإنفجار التي يُخشى الإفلات من عقالها.

نجد أن بعض الأمهات بسبب تربيتهم التي يحيطها عمى إدراكي، مما يتكوّن لديهن نوع من اللاشعور العاطفي والحرص، حيث أن الأول يعني أنهن لا يقدرن على توجيه عواطفهن نحو أبنائهن بشكل سليم،كي يمنح لهن نوعا من العلاقة العاطفية السوية والصحية بأطفالهن، بحيث تكون الغاية هي إشباع تلك العاطفة من الأطفال بتملّكهم عاطفيا والتحكم في أهواءهم و طابعا اقتحاميا في سلوكهم وتربيتهن لأبناءهن، وهو ما يستجيب و يوافق توقعاتهن من ذلك الطفل في تحقيق ما لم يحققوه في طفولتهن أو تفريغ كل ما مورس عليهن من آبائهن أو المجتمع أو الرجل، اعتقادا منهن أنها التربية التي تقمن بها مقدّسة لا تقبَل التحريف والتجاوز.

فأما الحرص فهي من المشاعر البسيطة الأكثر تعقيدا بالحقيقة، عندما تكون المشاعر قوية ومستعصية تصبح حرصا (جوستاف لوبون) فالحرص صادر عن مشاعر شديدة كالحب والتملّك والخوف على الطفل وتمركز الطفل حول أمه فقط.. هذه المشاعر تؤدي بهم إلى ما يسمى بالحرص وتأثيره يبطل المشاعر السابقة، فالطفل إذا أحس بالحرص الشديد من أمه ومنعه من ممارسة هواياته المفضلة بذريعة الخوف عليه وأنها تحبه، فهو لا شك في أنه سيضجر وتتجه تلك العلاقة من مستوى الحب إلى مستوى تنازلي نحو النفور.

طفلك حرّ في مسؤولية مصيره، كل ما عليك هو خلق حوار مثمر معه، احترام آراءه ومنحها أهمية، لأنه يعي جيدا ما يجري من حوله، وخلق جو صحي ومتوازن يسوده الحب والإصغاء لحاجياته النفسية والعاطفية قبل الطبيعية، واختيار أسلوب تربوي يجمع بين الصرامة والتساهل، أي بين البينين، كما توجيهه من خبرتك في الحياة التي لا يمكننا أن ننكر أنها لن تفيد، فهي معرفتك السابقة التي سيحتاجها لبناء خبرات جديدة لنفسه خاصة به، يوجه بها أطفاله لاحقا دون أن يطغى هو الآخر على أطفاله، لأنك تربين مجتمعا وجيلا بعدك، فاستغلي قوة الأمومة في احتلال العالم بشخصية مستقلة فكريا وسليمة نفسيا وخالية من المنغّصات المرضية التي قد تنشرها داخل مجتمعها.

هناك نوع من الاحترام الذي يكتنفه قدر كبير من الخوف كاحترام الطفل لأمه المتسلّطة والمتحكّمة لكن دون أن يحبّها بمقدار ذرة، لا أعتقد أنها العلاقة التي تنشدين إليها مع أطفالك؟

ضربتني أمي لأنها تحبّني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *