ماذا استفدنا من تعددنا؟

التنوع البشري نعمة أم نقمة؟

التعدد والتنوع حقيقة أزلية ظهرت مذ أن أطلق الإنسان صرخته الوجود الأولى; يشمل مفهوم التنوع القبول والإحترام، وهو يعني معرفة أن كل شخص متفرد في ذاته؛ حيث إن إدراك اختلافاتنا الفردية يمكن أن يكون له أبعاد كبيرة فيما يتعلق بالسلالة أو العرق أو النوع أو التوجه الجنسي أو الوضع الإجتماعي أو الإقتصادي أو العمري أو القدرات النفسية او المعتقدات الدينية والسياسية أو غير ذلك من الإيديولوجيات

كما يعني استكشاف هذه الإختلافات في ظل بيئة تتسم بالأمان والإيجابية و الرعاية، بالإضافة إلى أن هذا المفهوم يعنى بفهم كل منا للآخر وتجاوز التسامح البسيط إلى تعظيم الأبعاد الغنية للتنوع في كل فرد والإحتفاء بها كمقابل للامتثال التام لنهج قوانين المساواة، ونشير هنا إلى ما جاءت به شظايا البحث الذي أعدته الأستاذة “وفاء لطفي” _ باحثة بسلك الدكتورة جامعة 6 أكتوبر بمصر _ :

إن التعدد والتنوع ظاهرة ملازمة للمجتمع البشري منذ أن عرف هذا المجتمع ظواهر التبادل السلعي والملكية الخاصة والدولة، بل وقبل ذلك و بعده، فإن التمايزات في الرؤى والمواقف السياسية هي تمايزات ملازمة لطبيعة المجتمع البشري ذاته. وتضيف أن التعددية تأكيد وإقرار وتسليم لعالم متنوع ومختلف وغدت إحدى ثوابت آلية الحياة المعاصرة، وإن كيفية التعامل والتفاعل معها سيقود بشكل او بآخر إلى بلورة الملكية الذاتية والإحترام والتسامح والحوار والمرونة في طرق تعايشنا مع الآخر. ونشير كذلك إلى ما ورد في _ كتاب التعددية والتنوع محرك التقدم والتطور _ للدكتور “سمير عميش” :
فالبشر كما هو واضح مصنفون بين ذكر وأنثى متعددوا الصفات والسمات بين أسمر وأبيض، قصير وطويل وغيرها. وهذا التعدد يلاحظ بوضوح أيضا في صفات أبناء الأسرة الواحدة وسماتهم باستثناء حالات محددة من التوأمة، بهذا المعنى الذي رسمته لنا الطبيعة المعبرة عن عظمة خالقها، تنير لنا فهم التعددية والتنوع بأوضح معانيها وأبسطها كظاهرة طبيعية حرية بالتذكر والتفكير بضرورتها وأهمية وجودها ومسبباتها بغض النظر عن مواصفاتها؛ أي الموصوف منها الذي يشمل التعددية السياسية والفكرية والثقافية وتعدد الحضارات وتنوعها في أي مجال من مجالات المكونات الإجتماعية البشرية منها والإثنية والقومية والدينية والطائفية … .

إذا كان التنوع العرقي والمذهبي، كما أشرنا أعلاه، يعتبر ثروة بشرية وثقافية في العديد من الأمم ودول العالم، فإنه في غالب الأحيان يمثل مصدر قلق وتوترفي معظم دول المنطقة العربية على امتداد أقطارها من المحيط إلى الخليج، فالتعدد المذهبي والعرقي الذي تزخر به المنطقة العربية بدل أن يكون ثروة علمية وفقهية وثقافية واجتماعية تدفع عجلة تنمية الأقطار العربية، تحول على يد المتعصبين والجهلة إلى وسيلة لتفريق الأمة العربية وتمزيق الممزق وإدخالهم في أثون الحروب والنزاعات التى لم تجن منها الأمة إلا المزيد من الضعف والتشظي والإندثار، وما يقع اليوم في منطقة الشرق الأوسط إلا برهان على قولنا.

وإذا أردنا تحليل وتفكيك مكانيزمات التنوع العرقي والمذهبي الذي تزخر به المنطقة العربية، فلابد من تسليط الضوء على مسألة (الأقليات) حيث إن وجودها في المنطقة العربية ليس وليد اليوم، إنما هي مشكلة قديمة حتى إن بعضها موجود من قبل ظهور الإسلام، وقد حمت الحضارة الإسلامية – في عصور ازدهارها- تلك الأقليات وجعلتها جزءًلا يتجزأ من نسيج الدولة الإسلامية وقد تمتعوا بحقوق المواطنة حتى اعتلى بعض أفرادها مراكز مرموقة، إلا أنه في عصور الضعف وتقسيم المنطقة العربية إلى دويلات، منذ ضعف الدولة العثمانية وسقوط الخلافة، تحولت بعض هذه الأقليات إلى ألغام وقنابل موقوتة لمشكلات حدودية وثقافية، ونجح بعضها في إنشاء كيان سياسي مستقل مثل (جنوب السودان).

ولابد قبل هذا أن نوضح أن الأقليات العربية نوعان: أولهما أقليات دينية من أتباع الديانات السماوية، بمختلف طوائفهم، وهم موزعون في غالبية الدول العربية، أما اليهود فهم أقلية متواجدة في بعض دول المغرب العربي خاصة المغرب و تونس، وكذلك في بعض دول الشام مثل سوريا ولبنان، بل إن هناك بقايا اليهود في العراق واليمن وكذلك الأقلية الشيعية وخاصة الإباضية والجعفرية واليزيدية وغيرها، وهناك أتباع للوثنية ممن يتبعون ديانات غير سماوية. وهناك أقليات عرقية مثل الأكراد والأمازيغ و النوبيين والتركمان والشركس والطوارق والبربر… ويعيش هؤلاء جميعًا وسط الأكثرية العرب المسلمين الذين يتبعون المذاهب السنية الأربعة وقد انعكس ذلك على اختلاف اللهجات، بل واللغات التي يتحدث بها بعض أبناء تلك الأقليات، وتعد العراق نموذجًا صارخًا لهذا التنوع العرقي والديني واللغوي؛ فنجد الشيعة والسُّنّة العرب والأكراد يمثل أتباعهما الأغلبية في حين يمثل النصارى العرب والصابئة واليهود –الذين بدأ بعضهم يعود بعد الاحتلال الأمريكي بعد هجرتهم للكيان الصهيوني – بالإضافة إلى أقليات عرقية من ذوي الأصول الإيرانية والكردية والتركمانية وغيرها، بل هناك تنوع ديني داخل الأقليات العرقية نفسها فمثلاً نجد الأكراد غالبيتهم من أهل السنة، أما التركمان فغالبيتهم من أتباع المذهب الحنفي، أما المسيحيون العرب فغالبيتهم من الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك، وهناك مسيحيون غير عرب يدينون الكاثوليكية والأرثوذكسية من النساطرة الآشوريــين والكلدان واليعاقبة والسريان والشركس والأرمن.
هذه الفسيفساء داخل المنطقة العربية بدل أن تتحول إلى أداة لخدمة الإنسان بدرجة اولى، أصبحت تدمره وتجزؤه بسبب بعض ضيقي الفكر والتفكير او أصحاب المصالح الدونية والعابرة، فإلى متى؟

ماذا استفدنا من تعددنا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.