القرآن والإنسان

يرى الدكتور الشاهد البوشيخي أن القرآن له علاقة وطيدة بالإنسان إذ لا يمكن انفكاكه, لكن للحديث عن هذه العلاقة وإثباتها كان لا بد من الحديث عن كل من القرآن والإنسان على جهة الإفراد. أما عن الإنسان فحديثنا عنه من جهة أصله ومن جهة وظيفته حيث إن أصله مزدوج فهو مكون من روح ومن جسم فكان بهذا التكوين وبهذه الطبيعة مستخلفا في الأرض, وطبيعة هذا الاستخلاف اقتضت منه أن تكون عبادته متمحضة لله فتلك هي وظيفته الأولى التي خلق من أجلها حيث قال الله فيه: “وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” (سورة الذاريات الاية 56)

فانحصرت غايته في العبودية لكن العبودية تبقى من حيث مفهومها واسعة من الصعب حصرها في جهة دون جهة, وهذا يدل على مركزية الإنسان في هذا الكون وأهميته عند الله تعالى ؛ لذلك خلقه ليكون عبدا له وخلق أشياء أخرى لأجل هذا الإنسان حيث يقول الله تعالى: ” هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا” (سورة البقرة الاية 29) وقال أيضا:  ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ” (سورة ابراهيم الاية 32)والآيات في هذا السياق كثيرة.

كما أنه من خصائص القرآن أيضا أنه نور حيث يقول فيه الله تعالى: “ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ” (سورة المائدة الاية 15)وقال أيضا: ” يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ(سورة التوبة الاية 32) وقال سبحانه: “وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا “سورة الشورى الاية 52 ومن شأن النور أنه يعطي الأمل ويبرز الأشياء على حقيقتها عكس الظلام حيث يكون معه التخبط والعشوائية وما هذا النفق المظلم ـالمتسربل بسربال الحضارة المزعومةـ التي وقعت فيه الأمة ولم تستطع أن تنفض غباره لم يكن لولا غياب هذا النور, إذا القرآن نور للأفراد نور للأسرة نور للجماعة نور للبشرية جمعاء. أما وظيفته تتجلى في كونه هداية لذلك ندعوه إجباريا كل يوم سبع عشرة مرة لكن هدايته تلك تحصل لمن اتقى واتبع ” قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ” (سورة البقرة الاية 120)فمن ابتغى الهداية في غيره أضله الله.
ومن خلال ما تقدم يمكن القول إن الإنسان لا يمكن أن يعيش مفهوم الإنسانية بدون قرآن لأن القرآن بمثابة الروح المبثوثة في جسم الإنسان بحيث لو نزعت منه صار هذا الجسم جثة هامدة وإن كان يتحرك ويتنفس لكنه فاقد للروح المعنوية التي تشحنه على الأقل خمس مرات كل يوم بطاقات معنوية وإيجابية في الوقت ذاته, كما أنه يمكن القول إن النور الذي هو القرآن له علاقة متينة بالرؤية بحيث لو انعدم هذا النور وفعلا قد انعدم بدخان الحرائق على الحقائق وعسرت معه الرؤية وتداخل الحق بالباطل واختلت الموازين لدى كثير من الناس بفعل سحرة العصر وكهانه الكبار من شياطين الإعلام وكهنة الثقافة اقتضى ذلك انعدام الرؤية بالمرة ولك أن تتصور حجم التخبط الذي يقع حين تنعدم الرؤية المعنوية. إذا تبقى الإنسانية بحاجة إلى هذا النور كحاجتها للهواء؛ لذلك كانت علاقة القرآن بالإنسان كعلاقة الماء بالأرض وهذا يجمعه قوله صلى الله عليه وسلم: “إن مثل ما بعثني به الله من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير, وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس, فشربوا منها وسقوا وزرعوا, وأصاب طائفة منها أخرى غنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ, فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به فعلم وعلم, ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به“.
فانطلاقا من هذا الحديث النبوي الشريف يمكن القول إن علاقة القرآن بالإنسان هي علاقة تخصيب والناس في هذا أصناف ثلاثة:صنف طيب قبل الماء فأنبت العشب والكلأ, وصنف لم يقبله لكنه لم يستفد منه لكن غيره استفاد منه, وصنف لم يقبل هذا التخصيب ولم يمسكه عنده فلم يستفد له ولا غيره.

القرآن والإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *