اليهود في المنظومة القانونية والسياسية المغربية

مكانة خاصة

لطالما شكل المكون اليهودي جزءا لا يتجزأ من بنية النسيج المجتمعي المغربي، فجذورهم راسخة في مختلف المناطق التي تعايش فيها المغاربة اليهود مع المغاربة المسلمين، فالمغاربة اليهود حظوا بعناية تشريعية من طرف المشرع المغربي لتنظيم وضعهم القانوني، مما منح تفردا وخصوصية للنظام القانوني الوطني على المستوى الدولي. إن التاريخ المغربي زاخر بالقوانين العبرية التي تنظم قضايا المغاربة اليهود والمحافظة على حقوقهم وخصوصياتهم الدينية والثقافية في إطار من التعايش والاحترام الذي شكل المحور الأساس في الخطب الملكية.

فالمغرب لم يفرط قط في أبنائه ولطالما كان متمسكا بمواطنيه اليهود وبكل مكوناته، إذ أن الملك الراحل محمد الخامس رفض تطبيق قوانين فيشي وتسليم المغاربة اليهود إلى معسكرات الاعتقال النازية سنة 1939 وأصدر ظهائر شريفة لحماية اليهود، وفي 7ماي 1945 أعلن الملك الراحل محمد الخامس إصدار قانون إعادة هيكلة وإصلاح لجان الطوائف اليهودية بالمغرب. ثم بعد استقلال المغرب شارك المغاربة اليهود في البرلمان والمجالس البلدية، وترأسوا الحكومات والمؤسسات والإدارات، كما أن مستشار الملك محمد السادس حاليا هو مغربي يهودي اسمه أندري أزولاي، مما يؤكد على أن المغاربة اليهود كانوا ولازالوا يشكلون جزءا لا يتجزأ من بنية النسيج المجتمعي المغربي رغم كون عددهم أصبح لا يتجاوز 3 آلاف نسمة بالمغرب بعدما كان يقدر بحوالي 300 ألف يهودي سنة 1939.
كما أن الملك الراحل الحسن الثاني قد أعرب في العديد من المناسبات عن تمسكه بالمغاربة اليهود وضمانه لمساواة حقوقهم مع حقوق المغاربة المسلمين، وفي سنة 2010 أطلق الملك محمد السادس برنامجا لترميم المعابد والمقابر اليهودية، ثم في سنة 2011 تم الاعتراف بالرافد العبري في ديباجة الدستور.

أندري-أزولاي
أندري أزولاي، المستشار الشخصي للملك محمد السادس

وبفضل مبادرات أندري أزولاي مستشار الملك وبعض الجمعيات ومجموعة من الباحثين والأكاديميين المغاربة سواء المسلمين أو اليهود، وكذا استئناف العلاقات الديبلوماسية بين المملكة المغربية وإسرائيل أصبح المهتمون بالشؤون السياسية والقانونية والاجتماعية أكثر اهتماما بالمكون اليهودي المغربي والقوانين المنظمة لوضعيتهم بالبلاد، لذا ارتأينا التطرق لاعتراف الدستور بالرافد العبري ثم التطرق للمحاكم العبرية والقانون العبري، وفي الأخير ذكرنا بعض الجمعيات المهتمة بالثقافة اليهودية بالمغرب.

1- اعتراف الدستور بالرافد العبري
إن دستور2011 جاء لتكريس الرافد العبري كبعد من أبعاد الهوية المغربية التاريخية والحاضرة الغنية بتعددية مقوماتها التي لا تقبل التجزؤ، حيث تنص الفقرة الثانية من تصدير دستور 2011 على أن: “المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها العربية الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء”.
ولقد تم تعزيز ما جاء في تصدير دستور 2011، بالفصل الثالث الذي جاء فيه “أن الاسلام هو دين الدولة، وأن الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية”.
فالإشارة إلى المكون اليهودي في الدستور والتأكيد عليه بصريح العبارة كرافد من روافد الهوية الوطنية يشكل أحد المكاسب المهمة التي أقرها دستور2011.

كما أن جلالة الملك محمد السادس أبدى اهتمامه بالرافد العبري، حيث صرح في رسالته الموجهة إلى المشاركين في المؤتمر المنعقد بمراكش حول موضوع حقوق الأقليات الدينية في الديار الاسلامية: “إننا بوصفنا أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، نضع على عاتقنا حماية حقوق المسلمين وغير المسلمين على السواء؛ نحمي حقوقهم كمتدينين بمقتضى المبادئ المرجعية الثابتة التي أشرنا إليها، ونحميهم كمواطنين بمقتضى الدستور”.

2- المحاكم العبرية الغرفة العبرية بالمحكمة المدنية
إن المغرب هو البلد العربي الوحيد الذي يتمتع فيه المواطنون اليهود من مرفق قضائي خاص بهم، وهي جزء لا يتجزأ من المنظومة القضائية المغربية في منازعات الأحوال الشخصية لليهود، فالمحاكم العبرية هي عبارة عن جهة قضائية تهتم بالقضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية للمغاربة التابعين للديانة اليهودية وهذه القضايا تشمل الإرث والوصية، والزواج والطلاق، و أحكام النفقة، والقضاة هم عبارة عن مغاربة يهود، عينوا بظهير ملكي.

صدرت أربع ظهائر شريفة، ظهيران مؤرخان في 11 شعبان 1339ه (12 ماي 1918)، ينصان على إعادة تنظيم المحاكم العبرية والتوثيق الإسرائيلي في المنطقة الجنوبية من المملكة المغربية والذي بموجبه تم إنشاء درجة ثانية تستأنف أمامها الأحكام وهي المحكمة الابتدائية العبرية العليا بالرباط، والثالث مؤرخ في 21 رجب 1342ه(15 فبراير 1925) بشأن تنظيم المحكمة العبرية والتوثيق العصري في طنجة، والرابع ظهير خليفي مؤرخ في 27 رمضان 1346ه (20 مارس 1928)، بشأن تنظيم المحاكم العبرية والتوثيق الإسرائيلي في المنطقة الشمالية، ثم صدر ظهيرين بعد الإستقلال بتاريخ 23 فبراير 1957 أنشأت على اثره اثني عشرة محكمة للحاخامات الحكام المفوضين.

ولقد تم حذف المحاكم العبرية وتم تعويضها بالمحاكم العبرية الاقليمية، كما حذفت وظيفة الحاخام المفوض، لكن مع تراجع عدد اليهود بالمغرب بسبب سلسلة الهجرات الجماعية، أغلقت معظم المحاكم العبرية وبقيت واحدة وهي الغرفة العبرية داخل المحكمة الابتدائية بالدارالبيضاء.
يتم اختيار القضاة في المحاكم العبرية انطلاقا من مدى معرفتهم بالفقه القضائي العبري ومدى اطلاعهم على التشريعات اليهودية، فالقضاة بالمحاكم العبرية هم من كبار الأحبار والحاخامات اليهود.

الملك-محمد-السادس-بمعية-أعيان-يهوديين
الملك-محمد-السادس-بمعية-أعيان-يهوديين

تضم الغرفة العبرية خمسة قضاة كلهم عبارة عن أحبار يعينون بظهير ملكي، ولهم نفس صلاحيات زملائهم المسلمين كما يتوفرون على البطاقات المهنية ذاتها، ويتقاضون أجورهم من الخزينة العامة للمملكة، ويتم اختيارهم وفقا لمعيار الكفاءة والإلمام بالشؤون الدينية اليهودية، ومنابع التشريع اليهودي الأساسية.

كما تتوفر الغرفة العبرية على خمسة عدول، هم أيضا لهم تكوين عدلي يهودي مغربي، غير أن العدول اليهود يختلفون عن العدول المسلمين في كونهم يتوفرون على أماكن خاصة داخل الأحياء التي يقطن بها اليهود المغاربة، ولا يفتحون مكاتب بقرب المحاكم أو بالشوارع، كما أن المحررات القضائية الشرعية التي يقومون بتحريرها تتم ترجمتها من طرف القضاة الأحبار.

3- القانون العبري
يقوم اليهود بمجموعة من المعاملات التي تخضع للقوانين المغربية كالمعاملات التجارية والعقارية…، لكن المعاملات الشخصية كالزواج والطلاق والإرث… فتخضع للقوانين العبرية، فحسب المادة الثانية من مدونة الأسرة “أما اليهود المغاربة فتسري عليهم قواعد الأحوال الشخصية العبرية المغربية”، فالمغاربة اليهود تطبق أحكام عليهم الأحوال الشخصية العبرية المغربية والمستوحاة من التوراة وبالضبط توراة شبختاف، وخصوصا من سفر العدد وسفر الثنية، ومن أسمى هذه القوانين هناك قانون بن هاعيزر، وكتاب حوشين ميشباط، واللذان يعدان من الأقسام الأربعة التي يتألف منهما شلحن عروخ وهو مصنف تلمودي فقهي، كما نجد كتبا تم تأليفها وكتابتها من قبل أحبار مغاربة سنة 1950، ككتاب “بات هاعبري، و هانا كونت هامش.

كما يتم توثيق معاملات المغاربة اليهود من طرف فقهاء يهود وأحبار، ففي سنة 1778 كان الموثق موشي بنزميرو والذي هو فقيه بعلوم التوراة يوثق عقود اليهود بتطوان، مما يؤكد على أن التوثيق العبري ليس حديث العهد بالمغرب. ويجب الإشارة إلى أن الفصول المتعلقة بالتوثيق العبري لم يتم إلغائها.

4- المجتمع المدني المهتم بالمكون اليهودي بالمغرب
لقد أصبح المجتمع المدني بالمغرب أكثر اهتماما بالمكون اليهودي المغربي، وبدأ ينخرط فيه حيث ظهرت مجموعة من الجمعيات الثقافية التي تهتم بالتراث الثقافي اليهودي، نذكر منها:

– جمعية ميمونة: وهي منظمة مغربية غير ربحية تأسست سنة 2007 بغرض صيانة التراث والثقافة اليهودية المغربية والحفاظ عليهما، وكذا تعريف جيل الشباب بالمغرب بقصة اليهود المغاربة، حيث أن اسم الجمعية هو لعيد يحتفل به في إسرائيل.

– جمعية الصداقة الأمازيغية اليهودية: أسست بأكادير في 24 يوليوز 2009، بهدف توثيق الصلات التاريخية بين الأمازيغ واليهود، وكذا تشجيع التعاون والتبادل الثقافي بين الأمازيغ واليهود والحفاظ على التراث الأمازيغي لليهود الذين هاجروا من شمال إفريقيا إلى إسرائيل، وأيضا حماية الحقوق الأساسية للشعبين الأمازيغي واليهودي أمام المنظمات الدولية ومكافحة العنصرية.

1
من أروقة المتحف اليهودي بالدار البيضاء.

– جمعية أصدقاء متحف التراث اليهودي المغربي: وهي جمعية نصف أعضاء مكتبها التأسيسي مسلمون، والنصف الآخر مغاربة يهود، من أهدافها ترميم الأماكن التي تمثل قيمة تراثية في الثقافة اليهودية بالمغرب، واستعادة الوثائق والتحف لإغناء المتحف اليهودي المغربي المتواجد بالدارالبيضاء.

– جمعية موشيه بنميمون للتراث اليهودي المغربي وثقافة السلام: وهي تعد أول جمعية بالناظور تهتم بالتراث اليهودي والمكون العبري بالمدينة، أسست في فبراير 2021، وهي جمعية تهدف إلى التعريف بالموروث الثقافي والتاريخي اليهودي المغربي، مع محاربة جميع أشكال التمييز ضد السامية، وأيضا تشجيع الجاليات اليهودية المغربية على زيارة المملكة كمكسب سياحي.

من كل ما سبق، يتضح أن وضعية المغاربة اليهود تحكمها مجموعة من الضوابط والأحكام والقيم والأعراف، فالتاريخ المغربي زاخر بالقوانين العبرية والظهائر والمراسيم التي نظمت علاقات المغاربة اليهود وذلك للحفاظ على حقوقهم وخصوصياتهم الدينية والثقافية في إطار من التعايش والاحترام والتفاهم.

اليهود في المنظومة القانونية والسياسية المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.