في الحافلات مآسٍ ومعاناة

نَصَب مسافرة

كان يوما غائما، رياح قوية تقتلع الأشجار من الجذور وتجبر الجميع على التقطيب عابسين، بوجوههم الواجمة تلك تحسبهم يساقون إلى زنازين الجو المتقلب يجبر الجميع على التحول إلى تلك الحالة حتى لو كانوا في أوج سعادتهم.

أهيم أنا في الشارع العام قاصدة المحطة الطرقية، لايشغل تفكيري سوى السفر الذي قد يكون مضنيا وحافلا بالمآسي؛ أدعو الله ألا يحدث ذلك فحالتي لا تسمح بمعاناة جديدة أتكبدها لأنه يكفيني ما تجرعته في الأيام الخوالي.

أركب الحافلة، وجوه كثيرة من البشر تملؤها ومزيج من اللهجات يعم الأجواء، كانت اللهجة الريفية هي الغالبة. بمجرد تحرك الحافلة شعرت بضيق مجهول السبب ينتابني، شعور بأن الرحلة ستكون صعبة، أحاول أن أثني ذاك الإحساس الرهيب عني وأقنعني بأنها مجرد وساوس فقط وكل شيء سيغدو بخير.
ولكن صَدَق إحساسي فلا شيء من ذلك الخير حدث، فبعد قطع مسافة ليست بالطويلة بدأت بوادر معاناة مأساوية سأقضيها، أتكور علي مثل نطفة نسيت أن تنمو، الموسيقى التي تصدح في أذني لا تزيد الأمر إلا سوءا، أتقلب يمنة ويسرة أبحث عن ركن أجد فيه راحتي وتسكن فيه آلام معدتي وأوجاع رأسي الرهيبة، أبحث كمن يبحث عن إبرة في كومة قش.. يا إلهي غثيان شديد لم يسبق أن أصابني مثله.. أرمي عيني إلى النافذة علني أرمق ما يهون علي، العالم في الخارج كئيب جدا أسود أكثر مما تستوعبه حواسي.

أحاول انتزاع نفسي من هواجسي، أجيل بصري في الجوار بعيدا عن الأشجار الكثيفة وندف السحاب الهش وعن الحالة المزرية التي يعيشها بعض الناس هنا.. لكن لا شيء من ذلك لم يخفف عني مأساتي، الجميع من حولي يهيمون في أحاديث فارغة غير آبهين بالطريق المهترئة ولا بالسائق المتهور الذي لم يلق بالا للضعفاء أمثالي.. يتبختر بقدرته الفائقة في السياقة بسرعة وفوق طريق وعرة محفورة من كل جانب وأنا، أنا منغلقة عني كفاية غير قادرة على جذب أطراف الحديث مع أحد وحتى حالتي الجسدية لا تسمح لي بذلك.. أغبطهم على رحابة صدورهم وقوة أجسادهم.. يريدون أن يستنفذوا متعة سفرهم إلى أقصاها، في حين أني أنا الحشرة الصغيرة التي نتف جناحاها عنوة، يطرحني الدوار ويغلبني الألم في الدقائق الأولى من انطلاق الحافلة.. نصل إلى المكان المخصص للاستراحة أحاول أن أستجمع ما تبقى لدي من قوة لأحمل جسدي المنهك متسائلة من أين له كل هذا الثقل وهو المفرط في النحافة.. أترك رأسي يتدلى بإهمال على حافة الباب الخارجية؛ عبق روائح الطعام المختلفة يتسلل إلى مناخيري.. أهرع بكل ما بقي بحوزتي من قوة بسرعة آخذ الكيس البلاستيكي فأشرع في استفراغ كل ما حوته معدتي من بقايا طعام.. يخرج القيء ممزوجا بدموع وطعام لا أذكر أنني أكلته القيء يتسلل حارا، كاويا، من الجوف إلى الحلق، أشعر مع كل نوبة بأن أحشائي تحترق، الدوار والإحباط والبرد… الكل تآمر علي هذا اليوم، أتٌراني أستحق كل هذا؟ كيف عشت حياتي؟ ما الخطأ الذي ارتكبته حتى أستحق كل هذا العذاب؟

في-الحافلات-مآسٍ-ومعاناة
صورة تعبيرية

أتشبث بأحد المقابض أمامي أحسست أنه أرحم بي من كل هذا الكم من البشر.. رعشة قوية في قدمي لا أملك السيطرة عليها، يداي شاحبتان ويصعب تحريكهما، العرق يتصبب من جبيني بغزارة، أكوام الهزال فوق جسدي أثقل مما أطيق، ينفلق في الصدر حزن قارع.. أتأوه من حين لآخر، لا يجب أن يسمع العالم نحيبي ولا يدري أحد بضعفي ولكني غير قادرة على التحمل الأمر أكبر مني هذا الضعف يغلبني..

فجأة بدأ القلب يخفق بضراوة وأنفاسي تتقطع، يا إلهي ما هذا أتراه الموت ياترى؟ سأموت هذه الميتة البئيسة وحيدة في حافلة غاصة بالركاب.. لا أستطيع التنفس إلا بصعوبة أحاول أن أتمالك نفسي لكن غدا الأمر مستحيلا، أغيب عن الوعي للحظات ثم أعود وأستفيق.. أغلق مقلتي بإعياء أحاول عبثا أن أنام ولكن لا مجال إلى تحقيق ذلك.. بدا لي لوهلة أن النوم في هكذا لحظات معجزة لن تتحقق، صوت مجهول يتسلل إلي من غياهب الغياب يتفشى في رأسي وينتشر فيه.. يتقوض العالم وتتآكل أطرافه ويبقى هذا الصوت ينخرني.. صوت يؤكد لي أنها ذي هي النهاية؛ ساعتك حانت الآن. أستسلم له، أصدقه، أنسى أنني غير مستعدة بعد إلى لقاء ربي لكن رغم ذلك سيكون أرحم بي من هذا العالم، أردد دعاء ما أذكر أنه هذا هو يارب توفني ما علمت الوفاة خيرا لي.. أنسى كل ذنوبي وأخطائي وتقصيري في بعض العبادات وأتفاءل خيرا إن شاء الله يكون مصيري الجنة، في الأخير ربي سيعوضني عن كل ما كابدته في هذه الحياه الشاقة جدا، معاناتي لن تضيع، كل شيء بأجر، كل ذرة تعب تحملتها سأجزى عليها لا محالة..

أتكوم علي، أسند رأسي إلى الزجاج، أحاول ضم ساقي إلي فلا يسعفني ضيق المكان، أطمر هلعي داخلي وأصمت ولكن أنيني يأبى الصمت ويصر أن يفضحني أمام الجميع.. ترتعش أوصالي، أجثو فوق المقعد خائرة القوى وكأنني خرجت لتوي من معركة حامية الوطيس، أجر أذيال الخيبة والهزيمة التي طبعت جبيني بكل لؤم.. تتوقف الحافلة أقوم من مكاني أجرجر خطواتي الحزينة، مطأطئة الآمال، ذابلة مسحوقة بالكامل ثم أمضي وأشكر الله تعالى أن وهبني فرصة لمراجعة نفسي مرة أخرى.

في الحافلات مآسٍ ومعاناة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.