تأملات في الزلزال

على هامش الهزات الأخيرة بالحسيمة

في خضم الزلزال، يكثر حديث الناس عن الموت وعن القدر، الناس يستشعرون أن لا حيلة لهم أمام الموت وأمام الطبيعة القاهرة. ويكثفون قلقهم وإحساسهم بالعجز في فكرة القدر. في الصباح التالي، كنت ألتقط من هنا وهناك قصصا يرويها الناس لبعضهم عن حتمية الموت، عن أناس يهربون من الموت، ويلاقيهم الموت في ملاذاتهم. واستحضرت قصة تختزل من الموت كل ما فيه : سطوته، مكره، غدره بضحاياه ودقته في إصابة أهدافه. أظنها من حكايات ألف ليلة، يحكى فيها أن رجلا كان يتجول في أحد أسواق بغداد، فاعترض ملك الموت سبيله، ذعر الرجل، وفر إلى أبعد مكان ممكن، إلى الهند، في اليوم التالي لقيه ملك الموت هناك ليخبره أن ساعته حلت وأنه لم يقابله ببغداد إلا لأنه مر بها مصادفة فلمحه، فاستغرب من وجوده فيها بينما كتابه يقول بأن روحه ستقبض بالهند. ساعته حلت، وكتاب عزرائيل لا يخطئ. لا يشترط في الموت سبب، هو يأتي هكذا، وليس علينا أن نحاول تفسيره، أو الهروب منه. علينا أن نقبله، والإمعان في فكرة القدر هو تمرين على قبوله.
المرعب في الزلزال، إلى جانب انطوائه على فكرة الموت، انطواؤه على فكرة الهدم!
وأنا أراقب الناس تهرع إلى الخارج تاركة بيوتها، تخيلت كل شيء يخرب، أي معنى يبقى لأي بناء في حياة الإنسان، البناء بكل معانيه الحقيقية والمجازية. تبينت تفاهة الثقافة أمام سطوة الطبيعة.
في غمرة الهلع، كنت أنظر من حولي، الى أعز أشيائي على قلبي، كوب القهوة الخاص بي الذي أجده فريدا، كتبي، ساعتي اليدوية التي أهدتها لي أمي، غرفتي التي أجهد في ترتيبها، أدوات الزينة التي ألفتها وأقمت معها علاقة خاصة وسيصعب علي تبديلها بأخرى مهما رخص ثمنها أو غلى.ما قيمة الأشياء التي يمتلكها الناس ويفاخرون بها. ما قيمة المعارف والفنون والحرف، سيبيد الانسان وتبيد معه، ما قيمة الفرح، ما قيمة الحفلات والأعراس، ما قيمة الجلبة ما دام السكون سيخرسها في النهاية، ما قيمة الأحضان في عز الخطر، ما معنى أن نتكوم على بعضنا راجين الاحتماء، ما قيمة الإديولوجيات والصياح في المناظرات، انتصارا للحقيقة…
الموت محيط بنا من كل جانب، الموت هو الحقيقة الأكثر سطوعا، والأقل حاجة إلى الإغراق في الاستدلال والجدال الفارغ لأصحاب الإديولوجيات.

القصة وما فيها أننا نخرج إلى الوجود، نتيجة لسيرورة طبيعية، دونا عن إرادتنا، ثم نموت، دونا عن إرادتنا، ودون حتى أن نختار الوقت والمكان والظروف وطريقة الموت، نتيجة لسيرورة طبيعية كذلك، العالم من حولنا لا يهتم لنا، كل قيمة لوجودنا ولحضارة نوعنا، ولأشيائنا الثمينة، وللأشخاص الذين نحب، ليست إلا من اختلاقنا، وهي بالنسبة لحركة الكواكب والأجسام في الفضاء، وبالنسبة لباطن الأرض الذي لا ينفك يتحرك تنفيسا عن نفسه، لا شيء يذكر، تقول لنا الطبيعة إن كل ما بنيتموه من مبان ومعان، لا قيمة له عندي. نحن أشبه بقطعة حصى يحركها السيل دون عمد، تارة ويستقر بها تارة أخرى.ونخلق من تعاقب الحركة والاستقرار تاريخا منسوجا من الأسباب والنتائج، نحاول أن نحيك قصة ذات معنى.
استشعرت رهبة الإنسان القديم أمام الزلازل. قرأت ذات مرة أن السحر انبثق من هذه الرهبة، جاءت التعاويذ السحرية محاولة من الإنسان للتواصل مع الطبيعة وتوجيه الطلبات إليها بأن تكف أذاها عنه، كانت رغبة الإنسان في التواصل مع الطبيعة أقوى من رغبته في التواصل مع إنسان مثله، وكان هذا أول عهد الإنسان باللغة والكلام. ومن هذه الرغبة، انبثقت الأديان والفلسفات والعلوم، هذه المرة في محاولة لفهم الطبيعة بدل إفهامها، وفهم السر وراء صممها عن الكلام السحري. أنا أيضا، كأسلافنا السحرة، تمنيت لو أنني أستطيع أن أخاطب الأرض بأن تهدأ، ليتها حية، ليتها تعي أنها تحمل فوقها أكثر الكائنات حساسية، ليتها تشعر بنا وتفهمنا، ليتها تعلم أننا نحبها كأمنا، وترق لنا.

أطللت من الشرفة، رأيت الناس في جماعات، تذرع الشارع جيئة وذهابا، في المشي تغلب على الخوف والقلق، إيهام النفس بأن لها قدرة على الفعل، نحن نمشي في هدوء ونتبادل الكلام وكأن شيئا لن يحدث. ما زال الناس يجدون متسعا للتشبت بمفاهيم تبدو ثانوية أمام الموت، إحدى المارات من أمامي كانت تسخر من ضياع شهامة الرجال في حضور خطر داهم، صديقتي التي معي رفضت الخروج لأن جواربها ممزقة، وشعرها غير مرتب! رأيت سيارات ممتلئة، متجهة خارج المدينة، الفرار أيضا، ليس إلا إيهاما بأننا نستطيع شيئا أمام الموت، يعود الناس ويقولون في شيء من الاستسلام والحسرة “للي مكتاب هو للي غايكون” وكأنهم يسترضون الموت، ويغازلون طبيعته السادية، حتى يكف عنهم. الناس هنا يفكرون بغيرهم، بأطفالهم وأهلهم، ليس لي أهل أفكر فيهم هنا، غير نفسي، التي تستحق الشفقة، وأنا التي فكرت في الموت، في أشد لحظات تذمرت فيها من مصائب الحياة، يطرق الموت جفني في كبد الليل، في أكثر لحظاتي هدوءا واستمتاعا بالنوم.لم يسؤني من الزلزال شيء أكثر من أنه حرمني من نوم لذيذ. تمنيت للحظة لو تخلصت من غريزتي الطبيعية في مقاومة الموت واستسلمت للنوم، وليأخذني النوم مباشرة إلى الموت حيث أكمل أحلامي. وقلت في نفسي، أن رغبتي في أن أستمر في الحياة قليلا، لا ترتبط بغريزتي الطبيعية فحسب، لي حاجات ثقافية لم أبلغها بعد. كيف أموت بالزلزال وأنا لم أفهم بعد ماهيته ، كنت أجد دروس الجيولوجيا الأكثر استعصاءا على الفهم في مسيرتي الدراسية كلها، أليس معيبا، أن ينال مني عدو أجهله، أن أموت في قمة ضعفي، ضعيفة وجاهلة، وفوق هذا جائعة، سأموت ولم أشبع من الحياة بعد. أريد أن أعيد قراءة جدارية درويش، أن أحفظها عن ظهر قلب، أن أفك رموز الشعر الجاهلي، جلجامش، أريد أفهم التعقيد الكامن في شخصيته، لم أقرأ هومير ودانتي، لم أبلغ كشوفات ابن عربي، لم أكمل قراءة الأناجيل والعهد القديم، كم سورة من القرآن لم أحفظ، كم من الأغنيات لم أسمع، لم أملأ روحي من روح الله، ولم أرتو من الحب. الموسيقى والحب، خيما على تفكيري طويلا.هل يفنيان بفنائنا ؟ تفصلني عن تخرجي سنة واحدة، كيف أموت قبيل تخرجي؟ أمن المعقول أن تكون الحياة عبثية إلى هذا الحد. ما أزال أفكر في حاجاتي الثقافية والروحية، وأصر على أن أقول للطبيعة أن وعيي وإحساسي بالحياة أهم من قوانينك.

ليس لي أهل هنا، أهلي في مأمن، بعيدا، فكرت في أنهم قد ينتابهم الخوف عني ، بدل أن أخاف عليهم. فكرت في حبيبي، لاشك أنه مستيقظ مثلي تماما الآن، وفكرت في الأطفال الصغار، تخيلت طمأنة الأمهات. فكرت في الرحيل. ثم تراجعت، تخيلت جبني وأنا أهرب من الخطر، ولؤمي وأنا أعلم أن الباقين هنا سيموتون، وأفر أنا بجلدي دونهم. أنا أمام امتحان حقيقي للشجاعة. “أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ” سورة النساء الاية78، الموت يخاطبنا بكل جبروته وغطرسته، لا مفر لكم مني إلا إلي، فلنحفظ ما بقي من ماء الوجه أمام هذه الغطرسة الطاغية ولنمت شجعانا إذن.
الساعة الحادية عشر صباحا، أنا في المقهى، أكتب، وأجيل بصري بين وجوه الناس، أستأنس بها، ما زالت الحياة مستمرة، الطلبة يستعدون للامتحانات القريبة، الناس يزاولون أعمالهم كما العادة، الناس يواصلون البناء والتشييد غير آبهين بخطر الانهدام، الناس يهزمون سطوة الموت بالنسيان. لا شيء يهزم الموت، لا قرب الإنسان من الله، ولا محوريته في الكون، ولا رفق الطبيعة به، ولا الحضارة ولا البناء ولا السحر ولا العلم، ولا قوة الحب، ولا حتى الاستبسال أمامه، النسيان وحده يهزم الموت، ويترك لنا حيزا للحياة. النادل يضع القهوة أمامي ويقول في ابتسامة لطيفة “واعرة عليك هاد القهوة، ما تخافيش تطيحك؟” _لا تخف، أنا معتادة عليها.

تأملات في الزلزال

مريم وفيق

طالبة هندسة، مهتمة بالفكر والثقافة والفنون، وبكل ما يهم الإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.