في معنى التسامح

تقول إحدى النساء لابنها: “يا بني لا تغتر بالقوة، فإن كل من عليها فان، وفوق كل قوي، قوي متين، إن الدهر يا بني لا يبقى على حاله، فدوام الحال من المحال، ولا تكره الإنس على شيء لا يرضاه، ولا تنهى ولا تدعو إلى شيء أنت لست صاحبه.” قال لها الابن: “ إن الناهيات ثلاث، وعسر علي الأمر، فماذا أنا فاعل؟” قالت له: “الصفح والعفو من شيم الكبار، فكن دائما منهم”.

إن هذا القول المتخيل، ليس غاية في ذاته، وإنما يصبو إلى موضوع جليل، يدعى بالتسامح، فما الذي يعنيه؟

المبتدأ في القول، تحديد وتمييز معنى التسامح بين النظر والعمل؛ وبيان الأمر أنه هناك فرق بين التسامح، ومفهوم التسامح، التسامح كفعل وسلوك، والتسامح كنظر ومعنى. ولذلك يجب الوصل والفصل بين الأمرين حتى يزول اللبس، مثال ذلك: تسامح الأب مع أبناءه لا يعني أنه يعرف التسامح كمعنى وتصور، لأنه قد لا يتسامح مع زوجته في حالة وقع خطأ أو سوء فهم، لماذا؟ لأن فعل التسامح هنا، ينطلق من التمثل والحس المشترك المجتمعي، أي ما تطبع به من عمل بالتربية واستبطنه، ولذلك يتسامح مع أبناءه من باب العطف الأبوي، ولا يتسامح مع زوجته من باب قيم الرجولة الذكورية.

على هذا الفصل بين فعل التسامح ومعناه، سنحاول أن نبني وصلا، إذ سنستقرأ حالات عينية ونجردها لكي نبلغ معنى التسامح.
ذكرنا مثالين من فعل التسامح واللاتسامح، من موقعين مختلفين، ونضيف مثلا آخر ذو أهمية وحساسية كبيرتين، وهو تسامح متدين مع غيره في موقع، وعدم تسامحه معه في موقع آخر، ودعونا نحدد أكثر، تسامح المسلم وجود اليهودي والمسيحي وغيرهم من الملل والديانات، والفضاء الإسلامي كان عرف هذه الحياة، خصوصا في المغرب والأندلس والعراق وهلال الخصيب، ولعل آثارهم لخير دليل على هذا الأمر. ولكن قد يحتج علي أحد بأن هذا الأمر لم يكن بالمعنى الذي يمكن أن نعرفه اليوم! وهذا احتجاج صحيح، فالأمر لم يكن ظاهرة اجتماعية، وإنما استثناءات لم تستثمر عبر الزمن، وهذا راجع إلى أمر مهم هو هيمنة التفكير الديني، كمرجعية عميقة، أي كرؤية للعالم والمجتمع، وهذه الظاهرة عمت المسلمين والمسيحيين كلاهما، إن على المستوى الداخلي والخارجي، فالمسلم كان ينظر للمحيط الذي يوجد وينوجد فيه من محدد الديني كفكر وتفكير، وكذلك المسيحي، ولذلك وجدنا في التاريخ وجود طوائف دينية تشكل قلة اجتماعية، مقابل أغلبية مسيطرة، ولهذا لم نستطع نحن المسلمون أن نتقدم في هذا المسار الذي تم وأده في التاريخ، مع بعض الندرة حقا.
عبر هذا المثال، يمكن أن نحدد معنى التسامح، ولكن قبل ذلك سنحدد مقوماته الأساسية، وهي مقوم القوة والضعف، ومقوم القلة والغلبة. وعبر هذا الرابوع يبرز معنى التسامح، فالذي يجعل التسامح حاضرا أو غائبا هو هذا الرابوع في السلوك والفعل.
وأخيرا لنذهب إلى التحديد الدلالي لمفهوم التسامح، تعني الدلالة الأولى، ان فعل التسامح، هو التساهل والتهاون والصفح والعفو عند المقدرة والقوة.
والدلالة الثانية تعني، تملك موقف لقبول الغير أن يمارس أفعاله بحرية، وهو مختلف عن الذات، ويتطلب من الذات من الناحية المعنوية احترام حرية* الآخر في اختلافه، أي العفو. وعلى سبيل الخلاصة، يمكن القول أن التسامح هو ترك الغير يمارس حريته بطريقته، ولو تبدت للذات من منظورها أنها خطأ، لكن تتركه وشأنه في أموره الخاصة، وتتعامل معه في ميدان المشترك والعام من باب الكسب والمصلحة.

*الحرية: يقصد بها هنا، احتساب عواقب الفعل قبل ممارسته، وتحمل المسؤولية فيه، قبل وبعد.

في معنى التسامح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.