مفاوضات مع عزرائيل

مشاهد من غرفة الولادة

ممرات فارغة.. جو موحش، إضاءة خافتة وأصواات الطبيعة تتسلل، صاخبة أحياناً وصامتة أحايين كثيرة.. نجلس أنا وصديقتي نتحدث كتيرا ونصمت أكثر.. ممرات المركب الجراحي حالما يهجرها المرضى ترتدي وحشة المقابر. سكون الليل وحنين موحش.. وأخيرا مريضة…

نجهز القاعة وننتظر برفقتها، نحاول طمأنتها، نخجل من ألمها ومعانتها، تتحدث إليّ بنظراتها، أتراها قالت ما قالت أم تراني صاحبة ذلك الحوار المرعب.. أضع لها قناع الأوكسجين، التقت عيوننا قبل أن تغمض تاركة روحها في أمانتي!! لماذا أنا؟ لماذا لم تنظر لباقي الفريق؟ هل سأكون عند حجم المسؤولية أم أني لست لها أهلا؟ هل وهل وهل وهل… اللهم اجعلني أهلا في مكاني هذا، اللهم احفظها ورضيعتها..

فجأة انقشع السكون، الكل يهرول، انخفض ضغط الدم بحدة؛ جسد الفتاة نحيف وهزيل وجنين في أحشائها على الطاولة، روحان تتخبطان في الداخل وفريق من الأطباء والممرضين انهمكو في إنقاذهما بينما آخرون يتفاوضون مع عزرائيل. دعوات صامتة رفعت والكثير الكثير من الخبرة رأيت حينها؛ رأيت كيف يمكن لسطر كتاب أن يغير ما يمكن وما لعمر فني في طلب العلم أن ينقذ… اللهم زدني علما اللهم زدني علما رأيت الكثير!! رأيت ما يمكن لأصابع اليد الخمسة أن تفعل، ما يمكن للقلب أن يرسله من دعوات صادقة لروح عرفناها منذ قليل.

مفاوضات-مع-عزرائيل-1
مفاوضات-مع-عزرائيل-1

فجأة يخرج الجنين.. أين هي الصرخة؟ ألن تقاتل كما فعلت والدتها؟ يتدخل الطبيب المختص بحركات مدروسة يحاول جاهدا بأنامل تتحرك بخفة، رأيت براعة الأم في حركاته الرشيقة، وثقت به جدا.. لقد اصطفاه الله أن يكون سببا في إنقاذ هذه الروح وهاهي ذي صرخة الحياة قد خرجت فعلا.. لقد فعلتها، لقد قاومت وعادت، لقد كانت عند حسن ظن والدتها… حمدا لله وشكرا..

وقعت علينا الصرخة كالبلسم فابتسمت القلوب قبل الشفاه. استقرت حالة الأم بعد ذلك وخلدت للراحة؛ ما أجمله من مكان يمكن أن أتواجد فيه، ما أجمل أن أصير غيثا للغيث، فحمدا لله وشكرا.

مفاوضات مع عزرائيل

التدلاوي فاطمة الزهراء

طالبة تدرس علم الاخدير و الانعاش، مدونة متطفلة وقت الفراغ، أرسم.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.