هل مشكلة تأخر مجتمعنا؛سياسية أم ثقافية؟

دور الثقافة في تقدم المجتمعات

إن مشكلتنا أعمق بكثير من أن تختزل فيما هو سياسي فقط! نعم قد تكون السياسة بشكل أو آخر باعتبارها نقطة التماس التي تصطدم فيها طموحات الأفراد وآمالهم بحسابات الدولة وتوازناتها…
وهذا ما يجعل الأمر يحسب حسابا سياسيا،فتكون النتيجة قياسا على ذلك تحميل المسؤولية للدولة كمؤسسة سياسية في كل ما استعصى على التحقق!
ومادام هناك ما لم يتحقق فهناك بالضرورة تذمر،لوم وإحباط…ومن الطبيعي أن يوجد من يتحمل تبعات ومسؤولية هذه النتيجة
وهو ما يتم إلصاقه قسرا بالسياسة؛ذلك المجال الذي يجد الناس أنفسهم غالبا مدينين له لكثافة العلاقات بينهم وبينه كما ذكرنا سابقا؛

وتتباين مستويات هذا”الإلصاق”بتباين وتفاوت مستويات الإخفاق أوالتراجع، إن على المستوى الاجتماعي أو الإقتصادي أو غيرهما.بل يحدث أن يمتد الأمر إلى ما هو عاطفي وجداني أيضا!

وهذا في نظري فيه من المبالغة الكثير؛لأن السياسة كمجال لنشاط الدولة شئنا أم أبينا هو انعكاس مباشر لمختلف الديناميات والسلوكيات القيمية،الإجتماعية،الثقافية…التي تخترق مجتمعنا.

وبالتالي فالسياسة هنا كممارسة-في مستوى معين-ماهي إلا انعكاس للذات الجماعية بكل تفاصيلها؛أي بمعنى من المعاني هي مرآة لا يمكن أن نكسرها ونلعنها لأنها كانت صادقة في عكس واقعنا!

وهذا ما يدفعني إلى القول-دون أن أغفل طبعا عن دور الممارسة السياسة ومساهمتها نسبيا في تردي الواقع كما في تحسنه-أن المشكل الحقيقي الذي يمكن أن نلتمس فيه الإجابة لنكباتنا وتخلفنا وسوء حاضرنا على الأصعدة كافة؛هو الثقافة وليس السياسة.
وحسبيّ بهذا القول أن أشير تحديدا إلى أن طبيعة الذهنيات السائدة مجتمعيا نتيجة هيمنة ثقافة محددة، هو المتغير الأساسي وربما الحقيقي لقياس التخلف في مجتمعنا وليس العكس،لكن كيف يمكن التدليل على ذلك؟

دعونا نتفق أولا،على مسألة أساسية وهي أن كل مجال من مجالات الحياة يتطبع بطباع أفرادها؛فالفرد الصالح إلى جانب الفرد الصالح يخلق مجتمعا صالحا والعكس بالعكس!
بمعنى أن سيادة قيم بناءة وإيجابية في مجتمع معين مثلا، لن تكون إلا نتيجة لإيمان أفراد هذا المجتمع بهذه القيم،وبالتالي يصير الأمر حالة من الإنعكاس للسلوك الفردي على الحياة العامة للناس.
لنأخذ أمثلة عملية على ذلك من صلب واقعنا المعيش ونوضح من خلاله تأثير الذهنية السلبية على حالة المجتمع وتطوره.

لا يخفى على أحد منا أن طبيعة الثقافة السائدة في مجتمعنا زاخرة بنماذج لسوء السلوك والقيم،بدءا من سيادة ثقافة الاتكال(يُقال مثلا من اعتمد على نفسه بقيّ في مكانه)والحط والتنقيص من قيمة العمل وأهميته وقدره(يقال الحمار بوحدو لي كيخدم ويضرب تمارة)،ناهيك عن القابلية للاستسلام والخنوع(أش دارو لي دازو قبلنا…حنا عمرنا نطورو…)،
هذه أمثلة وغيرها كثير…إذا ما أضفناها إلى سلوكيات سلبية أخرى تعاود الانبعاث من رماد ماضينا/حاضرنا البدوي،وتنهل في ذات الوقت من روح وقيم”عالم التيه” الذي نعيشه؛كالأنانية،العنف،التعالي،التنمر،الخداع،العنصرية،تبرير الذات واحتقار الغير…سنخلص سريعا إلى أن هذه الأخيرة(القيم والسلوكات)هي من تشرط ذهنياتنا بتركيز مفعولها السلبي فيها؛خاصة ذلك المركب المتصل بقيم البداوة الفجة،التي تجعل فهمنا لذواتنا والعالم مشوها،فيتشوه معه السلوك الذي ينعكس قيّما وأفكارا سلبية في مجالات السياسة والدين والإجتماع… لدرجة أنه تجعل الإنسان يعيش حالة من السكيزوفرينيا المرضية:فهو المسؤول عن تردي واقعه بفهمه وسلوكه،وفي ذات الواقع هو من ينتقده ويرمي بالمسؤولية واللوم على غيره(خاصة الساسة والقائمين على أمور الناس).

كيف لي أن أغش في الإمتحان وأسرق مجهود ومال غيري وأنكر ذلك على السياسي واللص وقاطع الطريق؟
كيف لي أن أعطي الحق لنفسي بالكذب وأمنعه على غيري…؟!

في اعتقادي يوم سنجيب أو نتجاوز عمليا هذه التناقضات التي تصرخ بها ذواتنا سنتقدم كثيرا.

وأختم بالقول أن ثقافتنا لم تستطيع بعد أن تخلق من داخلها ما يتجاوزها لذلك تحاول الرمي بالمسؤولية على السياسة لتجاوز مأزقها هذا.

هل مشكلة تأخر مجتمعنا؛سياسية أم ثقافية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.