حب وقُمامة

قصة قصيرة

جرت العادة في قرية كان يُطلق عليها اسم “فيلاوتيا” أن تَبتاع الفتيات كلاباً يسهرون على حمايتهن متى أصبحت الواحدة منهن كاملة الانوثة، ليس لأن تضاريس تلك القرية الجبلية وعرة وامكانية مباغتة الذئاب لهن واردة، بل لأن الأعراف والتقاليد هناك تقتضي عليهن ذلك.. بل وأن نجاح وتفوق احداهن مرهون بمدى تمكنها من الظفر بكلب ومن ثم ترويضه ورعايته..

كانت تسكن القرية فتاة تُدعى “زالما” ، كبُرت وهي ترى كيف أن قريناتها بدأن في اختيار كلابٍ يقمن برعايتهن مقابل الحصول على الأمان ورضا الناس!
زالما لم تكن مقتنعة بما يحدث حولها إلا انها كانت تعلم أن الاعراف والتقاليد أكبر من أن تقف ضدها، خصوصا أن الجميع كان ينعم في الرضا..لا بل حتى أنها لم تكن تفكر في اقحام نفسها في ذلك طالما الجميع سعداء.. كانت ترغب فقط في أن تعيش بدورها السعادة على طريقتها!

كانت إحدى قريناتها تنادي كلبها بغبطة مُبالغ فيها، ربما لاثارة غيرة صديقاتها.. فقد كانت تُسرف في التقاط الصور برفقته، وسرد تفاصيل رحلاتهم ومغامراتهم سويا.. كانت لا تكّفُ عن مدح ذكائه.. سرعة بديهته.. عِرقه.. وجمال شكله.. ما جعل الكثيرات يسعين لمجاراتها وجعل اقتناء كلب من سلالة راقية هدفهن المنشود..

وما هي إلا أيام، حتى انطلقت الفتيات في رحلة البحث عن كلب تُثرن به غيرة من حولهن من صديقات وقريبات..

أما زالما فقد كانت في عالم آخر!

راق لها أمر تحقيق انجازات اخرى، تختلف عما تراه وتعيشه كل يوم.. فاتجهت نحو الدراسة ثم العمل تحصد النجاح تلو الآخر..
فكرت أنها بذلك ستكون قادرة على العيش دون اللجوء إلى أحد، لكن الواقع كان مُختلفا، ففكرة أنها امرأة وفي حاجة الى الحماية مهما بلغت من مراتب لازالت تلاحقها اينما كان وكيفما اتفق!
بل واكثر من ذلك.. فأكثر ما يكرهه القطيع هو إنسان يفكر بشكل مختلف، في الحقيقة إنهم يكرهون جرأته على امتلاك الشجاعة للتفكير بشكل مختلفً وقد كان هذا اكثر ما اتعبها.. فقد واصل الناس سؤالها في كل مرة عن عدم مجاراتها لبقية صديقاتها واستقدامها لكلب يكفل حمايتها..
كان أمر اغفالهم لما حققته واستمرارهم في مطالبتها بحماية انوثتها على طريقتهم يزعجها.. لكنها قررت أن تجاريهم في النهاية فللوحدة أيضاً ازماتها!

كانت زالما ضد فكرة الوقوع على كلب شوارع، فهو حتما لا يليق بها، خصوصا بعد ازمات صديقاتها المتتالية.

فاحداهن تقول أن كلب الشوارع متعب ومآله دوما الى الشارع! قامت اخرى باقتناء كلب بدل احضاره من الشارع ظناً منها أن الوضع سيكون أهون لكن المعاناة لم تختلف كثيرا لأنه كان كلبا من سلالة وضيعة، كلفتها ندوبا وجسما تملؤه الجراح!

فكرت زالما أنّ تأخرها في استقدام كلبها كان لخير خفي، فتجارب قريناتها ستجنبها حتما عناء معاناتهن.

بعد أشهر من التخطيط والتروي وقع اختيار زالما على كلب ألماني.. قام صديق لها بتزكيته ومدحه بطريقة جعلتها ترحب بالفكرة بل وتستعجلها..
تخيلته كلبا من سلالة “الدوبر مان” المعروفة بذكاءها وقمة نشاطها ووفاءها.. ثم فكّرت أنه قد يكون كلب “الراعي الالماني” الابيض الانيق والمخلص! كلاهما يثيران حماسها في كل الاحوال..

غير انه كان من فصيلة “روت وايلر” ذي الشكل البشع لكنه كان يتميز بالهدوء والثقة بالنفس..صفات منّت النفس بها واستسلمت لواقعها..

وجاء الكلب الذي انتظرته ما يقارب الأربعة اشهر..
كانت سعيدة وراضية، ففي النهاية ستكون كما أراد الجميع لها.. فتاة تعيش في كنف كلب يحميها.. ثم إنه من الممكن أن يخفف من ألم وحدتها.. خصوصا أنها تعيش بمفردها وبمعزل عن الجميع..

فرحتها به انستها قراءة بطاقة المعلومات التى ارفقتها مالكته الاولى معه.. ثم انها كانت تُفضّل اكتشاف طباعه بنفسها.. كل ما كانت تعرفه أنه كان ملكا لسيدة ألمانية مُسنة، احتفظت به لمدة طويلة.. لكنها قررت استبداله بكلب أصغر.. أما هي فلم يكن يهمها عمره.. كل ما كان يعنيها هو طبعه الهادئ والرفقة التى ستحصل عليها أخيرا!

ومرت الايام.. وقد اعتادت زالما على حضوره الحاني في حياتها..
لكنه لم يكن كذلك.. ربما لازال يؤلمه تخلي مالكته العجوز عنه.. وربما لم يستطع تقبل فكرة استبداله بكلب آخر..

لم تدر ماذا تفعل حيال ذلك، فاكتفت فقط بالصبر..
زاد اهتمام زالما به .. وزاد معه غيابه اللامبرر.. كانت تنتظره لساعات متأخرة دون جدوى!
كان الحاضر الغائب دوما.. وكانت زالما تُمضي أيامها كمن لا كلب لها..
إلى أن اقنعت نفسها أنها ربما السبب في ما يحصل.. فلربما عدم خبرتها الكافية في عالم الكلاب سبب ما يحدث معها!
في الحقيقة لم تجد لمن تشكو ما يحصل لها، كيف تفعل وقريناتها ينظرن اليها بعيون ملؤها الحقد، وهي لا ترغب على أي حال أن تملأ الشماتة عيونهن أيضا..
فقررت أن تعالج الأمر بمفردها.

مضت اشهر جربت فيها كل شيئ لكن دون جدوى! فلم يبقى لها حل سوى أن تصبح امرأة تقليدية وأن تقوم بالتجسس عليه وتتبُّعِه لمعرفة سر غيابه المتكرر وعودته متسخا كل ليلة ومنهكا!

وكانت المفاجئة أنه كان يمضي يومه في القمامة! أجل.. كان يُفضّل اغراق نفسه في القمامة طيلة اليوم.. لكن لماذا ؟
“ألمْ يكن كلبا من سلالة راقية كما كان يبدو عليه؟ ثم ان كل شيء في منزلي كان يبدو مثاليا.. ” حدثت زالما نفسها في حيرة.
البيت دافئ.. الاكل لذيذ.. متنوع.. يحضى بالمداعبة والملاطفة طيلة الوقت.. ويُصطحبُ في اجازة نهاية الأسبوع!
لم تجد تفسيرا لكل ما كان يفعله.. فقررت البحث عن الاستمارة اللي كان مُرفقا بها علّها تعثر على اجابة مقنعة لكل هذا..

وجدت رقم هاتف السيدة الالمانية ضمن معلوماته فقررت الاتصال بها علّها تفسر ما يحدث..

كانت السيدة الالمانية غاية في اللطف..عكس المتوقع.. سألتها زالما عن حياتها معه.. وقصصت عليها تصرفاته.. وطلبت منها تفسيرا مقنعا..
تفاجئت من جوابها وهي تخبرها أنها قد عانت معه بدورها و ضاقت ذرعا من تصرفاته اللامسؤولة ولم تقم باستبداله بكلب آخر الا بعدما فقدت الأمل منه في التصرف ككلب محترم!

فكرت زالما أنها قد تعرضت للخداع.. فقد قامت باقتناء كلب من سلالة هجينة حتما.. لأن الكلاب الأصيلة لا تتصرف كما يفعل..

امضت اياما تفكر في ورطتها.. كانت تدرك ان ما قامت به منذ قررت ان تكون مختلفة لن يٌغتفر.. لن يغفر لها احد محاولتها التحليق خارج السرب.. هي الان فرصتهم لاثبات عدم جدوى ما كانت تحاول الوصول اليه..

بعد تفكير عميق.. قامت باقتناء اكياس من اللحم المقدد الذي يُحب، وتحضّير مُتكأ مريح بالقرب من الموقد الدافئ علّه يستكين أخيرا، ففي النهاية كان اخر ما ترغب به هو سماع عواءٍ لا متناهي من الشماتة! لكنها في المقابل تركت الباب الخارجي مواربا ثم تسللت الى فراشها وحيدة تُمني النفس بأنها تفعل ما يجب عليها فعله بالضبط..

في الصباح.. تسللت بهدوء من فراشها نحو الخارج، تنهدت وهي ترى اللحم المقدد على وضعه.. و المتكأ كذلك.. ففهمت أنه اختار الرحيل!

كان قد اختار الحياة في حاوية قاذورات..

ابتسمت وهي تراقبه عن بعد يلهو في روثه ورائحة الفضلات تملأ المكان فقد كان ذلك مكانه الطبيعي وتلك الحياة كانت اكثر ما يناسبه!
(أي تشابه بين شخصيات وأحداث هذه القصة وأية شخصيات وأحداث على أرض الواقع هو مجرد صدفة غير مقصودة).

حب وقُمامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.