الاستشارة الضريبية المسبقة

كآلية حديثة في التشريع المغربي

تتميز القاعدة القانونية الجبائية بالتعديلات التي تطالها باستمرار بموجب القوانين المالية لكل سنة، هذا إلى جانب التعقيد الذي يكتنفها وسيادة المصطلحات التقنية قليلة التداول بين الناس، إن لم نقل جهلها بها نظرا لعدم الوضوح الذي تتسم به في الدلالة والمعنى خصوصا إذا علمنا بترجمتها من الفرنسية إلى العربية. كل ذلك يؤكد مسألة غاية في الأهمية وهي تعقد النصوص الضريبة المغربية كمشكل لا يخدم الإدارة الجبائية في شيء بقدر ما يزيدها مشكلا بعد آخر.

إن الغموض والتعقيد الذي تتميز به القوانين الضريبية يدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ضرورة العمل على تجاوزه وتدارك الأخطاء المرتكبة من طرف المشرع المغربي واضع النص القانوني حتى يحصل الإصلاح الضريبي على المصداقية العملية الكافية والفعالة وسط الهيئات الإدارية القائمة على تنفيذ القوانين الضريبية، وبين مختلف المكلفين الذين يرون في التعقيد الضريبي هذا نوعا من الظلم والحيف تجاههم، لذلك، فإن الاهتمام ينبغي أن يتجه نحو ضرورة دعم التبسيط على مستوى صياغة النص القانوني الجبائي لجعله أكثر دقة وضبطا وإيجازا حتى تكون المنظومة الضريبية في متناول جميع الخاضعين لها الساهرين على تطبيقها أيضا .

وهكذا فمعظم الدول تحرص على تنظيم المجال الضريبي بشكل دقيق ومحكم، رغبة منها في عدم إضاعة المال العام المتحصل من هذه الضرائب على اختلاف أنواعها، وذلك بوضع التقنيات الكفيلة بتحقيق أقصى ما يمكن من مردودية وفعالية عند البحث عن المادة الضريبية، مما يضمن مساهمة الجميع كل على قدر استطاعته في التكاليف العمومية واضعة بذلك الآليات اللازمة لتنفيذ السياسة الضريبية بشكل جيد، مانحة إياها مجموعة من الامتيازات قصد تمكينها من القيام بوظيفتها والدفاع على حقوق الخزينة العامة كامتياز السلطة العامة بحكم مهمتها في ربط وتحصيل الضريبة. في المقابل، ولحماية الملزم مما قد يلحقه من تعسف أو شطط ضد حقوقه المالية من الإدارة الضريبية، أرسى آليات وضمانات قانونية تمكنه من تحصين هذه الحقوق حيث يساهم بالقدر القانوني في إطار العدالة الجبائية.

وتعتبر “الاستشارة الضريبية المسبقة” إحدى هذه التقنيات حديثة العهد التي تمكن المقاولات من التعرف على النظام الجبائي المطبق على وضعيتهم، والمخاطر الضريبية ومخاطر عدم الأداء للمقاولات، وبنية الظرفية الاقتصادية الوطنية. فبالتالي يفترض من هذه الآلية أن تساهم في تحقيق الأمن القانوني في المجال الضريبي، باعتباره أساس ضروري في أية سياسة ضريبية ناجعة ماليا اقتصاديا واجتماعيا.

من المستجدات التي جاء بها قانون المالية لسنة 2018 تضمين مسطرة الاستشارة القبلية المسبقة قبل تصرف الملزم وقيامه بأي اجراء وقد نظمها المشرع في المادة 234 من المدونة العامة للضرائب، والتي نصت على أنه:
يمكن للخاضعين للضريبة أن يطلبوا من إدارة الضرائب أن تبت في النظام الجبائي المطبق على وضعيتهم الواقعية على ضوء الأحكام التشريعية المنصوص عليها في هذه المدونة وكذا المقتضيات التنظيمية الصادرة لتطبيقها.

ولا يمكن أن يقدم الطلب السالف الذكر إلا في الحالات التالية:
– التركيبات القانونية والمالية التي تهم مشاريع الاستثمار المزمع إنجازها؛
– عمليات إعادة الهيكلة للمنشآت ولمجموعات الشركات بالنسبة للشركات المقيمة في المغرب؛
– العمليات المزمع إنجازها بين منشآت متواجدة في المغرب والتي لديها علاقة تبعية مباشرة أوغير مباشرة.

ويتعين توجيه الطلب السالف ذكره إلى المدير العام للضرائب، على أو وفق نموذج تعده الإدارة ويجب أن يتضمن البيانات التالية:
– الاسم العائلي والشخصي أو العنوان التجاري للخاضع للضريبة؛
– نوعية النشاط؛
– رقم التعريف الضريبي ورقم التعريف الموحد للمقاولة؛
– عنوان الموطن الضريبي أو المقر الاجتماعي أو المؤسسة الرئيسية للخاضع للضريبة؛
– عرض محدد للعناصر القانونية والواقعية الملتمس موقف الإدارة بشأنها.

ويجب أن يكون جواب الإدارة مكتوبا ومعللا ويرسل للمعني بالأمر خلال أجل لا يتعدى ثلاثة (3) أشهر ابتداءً من تاريخ التوصل بالطلب.
وفي حالة نقص في العناصر اللازمة لمعالجة الطلب، فإن الإدارة تدعو الخاضع للضريبة لتتميم طلبه قبل انصرام أجل الثلاثة (3) أشهر السالف الذكر.
ولا يمكن في أي حال من الأحوال لطلب الاستشارة الضريبية المسبقة أن يتعلق بملفات في طور مسطرة المراقبة أو المنازعات.

الاستشارة-الضريبية
صورة تعبيرية

هذه المسطرة معروفة ومعمول بها في القانون المقارن ونجد فرنسا من بين الدول التي تعمل بها منذ 1978 وسنة 2012 بالجزائر فهي اجراء مفتوح للجميع قبل التصريح من أجل الاتصال والاستفسار المسبق حول النظام الجبائي المطبق على وضعيتهم. وقد جاءت هذه المسطرة من خلال توصيات مناظرة الصخيرات سنة 2013 وكذا توصيات المناظرة الوطنية الثالثة حول الجبايات لسنة 2019 التي حثت على اللجوء إلى طلب الاستشارة الضريبية المسبقة، مع التنصيص قانونيا على الحق في الحوار الشفوي والتواجهي عند انتهاء كل عملية فحص، وإعادة ترتيب وتبسيط وتوضيح مقتضيات المدونة العامة للضرائب.

وتعمل هذه المسطرة بناء على طلب يتم توجيهه الى المدير العام للضرائب وفق نموذج تعده الإدارة يتضمن معلومات الملزم، على أن يكون جواب الإدارة مكتوبا ومعللا يرسل للمعني بالأمر خلال أجل لا يتعدى 3 أشهر ولا يمكن بعدها تقديم طلب جديد على نفس الواقعة عكس المشرع الفرنسي الذي ترك الباب مفتوحا أمام الملزمين لكي يقوموا بطلب الاستشارة مرة أخرى في نفس الواقعة؛ وكملاحظة فهذه المسطرة المتعلقة بالاستشارة القبلية لا تدخل في الملفات المتعلقة بالمنازعات كونها قبلية أي قبل أي إجراء.

كما أن المادة 234 تجعل من الإدارة الضريبية تشتغل على زمان مستقبلي، وأيضا من الناحية الفقهية أن بعد التقدم بطلب هذه الاستشارة، وتعطي موقفها الصريح بشأن مثلا عملية استثمارية، فهذا الموقف يعتبر حجة على الإدارة.
ففي فرنسا تعد هذه المسطرة مفتوحة في وجه جميع الملزمين بالضريبة إلا أن الاستثناء الذي جاء به المشرع المغربي هو حصره لهذه المسطرة لفائدة الشركات الكبرى وكبار المستثمرين وليس للأشخاص الطبيعيين.

إذا كانت الإدارة الجبائية تختص بتنفيذ القوانين والتحقق من سلامة تطبيقها حماية لحقوق الخزينة العامة وحقوق الملزمين على حد سواء، كما تساهم، كذلك، في اقتراح التعديلات والتشريعات الجبائية التي ترمي إلى الارتقاء بالنظام الجبائي إلى درجات عالية من الإتقان، وتساعد المجتمع على تحقيق أهدافه الاقتصادية والاجتماعية. وبذلك، فإن الإدارة الجبائية هي التي تسهر على صياغة وتنفيذ السياسة الجبائية، وتسهر على إعطاء المعلومات حول النظام الضريبي وبالعمليات المعقدة والكثيرة التي تسبق عملية تحصيل الجباية، لذلك، فإن فعالية الاستشارة الضريبية المسبقة في التجربة الضريبية المغربية، قد تؤدي إلى تأهيل حقيقي على مستوى هذه الإدارة، باعتماد هذه التقنية والنظام الحديث في أساليب اشتغالها قصد عصرنة طرق عملها، إضافة إلى تدعيم آليات التواصل الجبائي التي تجعل الإدارة الجبائية في مستوى وتطلعات المعقودة عليها.

إن تحسين طرق تسيير وتدبير الإدارة الجبائية والنهوض بعلاقتها مع الملزم يقتضي بالضرورة إصلاح عدد من الأوضاع وتجاوزها بغية خلق الجو الملائم لعلاقات أصلح بينها وبين الملزمين وإقرار علاقات تواصلية جديدة مبنية على الإشراك والحوار وتقريب الإدارة من المواطن، ومن دون شك فإن إمكانيات تفتح الإدارة الجبائية ونهوضها بدورها التواصلي والإعلامي مقرون بتدابير عاجلة وعمل يتطلب مبادرات متكاملة في إطار إصلاح شمولي يهدف إلى التدبير الناجح للجباية التشاركية وتوفير الشفافية، باعتبارها شرطا من شروط تحسين علاقة الإدارة مع مختلف الملزمين، والتي لا يمكن أن تنبني إلا على قواعد واضحة للتعامل معهم من خلال ضمان الوضوح في المعاملة بين طرفي المعاملة الجبائية، بغاية التعرف على الحقوق والواجبات للطرفين معا . كما يستند مبدأ الشفافية على تخويل الحق لكل مهتم بالشأن الجبائي سواء كان باحثا أو ملزما، من الاطلاع على الوثائق الإدارية والمالية المتعلقة بالشأن الضريبي وجعلها رهن إشارة العموم للاطلاع عليها بما يضمن شفافية العلاقة بين الإدارة والملزم.

فبالتالي الاستشارة الضريبية المسبقة ستدفع الإدارة الجبائية لكي تحسن من علاقتها مع الملزم ولكي تتصالح معه وتحاول تقريبها إليه، والحديث هنا عن الأشخاص المعنيين بهذه التقنية. فالطموح لدى الجهات المسؤولة هو بناء إدارة عصرية منحصرة على مهامها الرئيسية وموحدة الجهود ودائمة الإصغاء لمحيطها ومتوفرة على الوسائل الملبية لحاجياتها الحقيقية، ومهتمة بتقديم خدمة عمومية ذات جودة عالية بأقل تكلفة. وعلى هذا الأساس، فالاستشارة الضريبية المسبقة تهدف إلى بلورة استراتيجية وطنية منشودة في مجال الإعلام والتواصل الجبائيين مجسدة في أهداف وتوجهات يبتغي تحقيقها في مراحل تدريجية، مع اتخاذ إجراءات عملية وتدابير قانونية مصاحبة لتنمية وتطوير هذا القطاع، وبناء علاقة ثقة بين الإدارة الجبائية والملزم واعتباره مواطنا مشاركا. ذلك فأساس رضا الملزم وقبوله الجبائي هو طريقة التواصل وتعامل الإدارة الجبائية معه، لذلك كان لابد من النظر في السياسة التواصلية عن طريق التوجه إلى الإدارة الخدماتية والمواطنة، عن طريق تحديث هذه الإدارة وعصرنتها، وهذا من شأنه تحســين الامتثال الضريبي والتقليص من المنازعات الضريبية.

الاستشارة الضريبية المسبقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.