الطريق إلى قصر الاليزيه

عن الانتخابات الفرنسية

مما لاشك فيه أن الانتخابات الرئاسية التي ستشهدها فرنسا بعد أسابيع قليلة ستشكل لحظة مهمة بالنسبة للفرنسيين، بمختلف توجهاتهم وإيديولوجياتهم السياسية والفكرية.

ومن جهة أخرى فهذه الانتخابات، ليس المواطن الفرنسي هو الوحيد الذي يترقب وينتظر ما ستؤول إليه غالبية الأصوات، ومن سيصل إلى قصر الاليزيه، بل حتى الدول التي تربطها علاقات سياسية واقتصادية وثقافية مع فرنسا، تنتظر أيضا نتائج صندوق الاقتراع ولمن ستذهب أصوات المواطن الفرنسي.

قصر-الاليزيه
قصر الاليزيه بالعاصمة الفرنسية باريس

ويبدو أن الرئيس الذي سيتم اختياره من بين المرشحين لتولي هذا المنصب القيادي، سيواجه مجموعة من التحديات الداخلية، المتمثلة أساسا في الأزمة الصحية التي رافقت انتشار فيروس كوفيد 19، الأزمة الاقتصادية.,. والتحديات الخارجية التي لا تقل أهمية، ففي عهد الحكومة الحالية شهدت فرنسا توترا في علاقتها مع مجموعة من الدول، على سبيل الذكر أزمة الغواصات، “الطعنة في الظهر” التي تلقتها من حلفائها وشركائها نتيجة تحالف “أوكوس” (AUKUS) بين أستراليا وأميركا وبريطانيا، ثم الأزمة الدبلوماسية مع البلدان المغاربية على خلفية إعلان تخفيض عدد التأشيرات لمواطني هذه الدول، بالإضافة إلى أزمة دبلوماسية مع الجزائر على إثر تصريحات أطلقها الرئيس ماكرون نفى فيها وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي، ثم الأزمة الأخيرة مع مالي؛ كل هذا سيشكل حملا ثقيلا على المرشح المحتمل وصوله لقصر الاليزيه.

على العموم، فالمرشح الأقرب هو الذي يحمل برنامجا إصلاحيا شاملا، يتضمن معظم هموم الشعب ومطالبهم الإصلاحية، والأكثر إقناعا للفرنسين، غير أن الملاحظ من البرامج الانتخابية للمرشحين أنها لا تخلو من تناقضات بين مطالب المواطنين وأهداف المرشحين للرئاسة.

ويبدو من الحملات الترويجية لبعض المرشحين للرئاسة أن لا شغل يشغلهم سوى المهاجرين، وفي مقدمتهم المسلمون، سواء المواطنين منهم أو الذين ينتظرون التوطين، متجاهلين بذلك الاهتمامات الحقيقية للناخب الفرنسي، الذي لا يهتم كثيرا بهذه النخبوية العنصرية التي لا تقدم إلا حديث العاطفة، وتبتعد عن القضايا المركزية التي تهم الشارع من قضايا الصحة في ظل أزمة كورونا وقضايا البيئة وغيرها من القضايا التي تمس الناخب الفرنسي في مختلف جوانب حياته الشخصية، بعيدا عن الخطابات الشعبوية التي تفتعلها الأحزاب للتغطية عن فشلها في تقديم الحلول الممكنة للمشاكل المطروحة.

فعلى سبيل المثال، نجد أن المرشح إريك زمور في الخرجات الإعلامية التي قام بها للدفاع عن برنامجه الانتخابي، يركز إلى جانب قضية الهجرة والمهاجرين غير الشرعيين على شيء وحيد، وهو الإسلام في فرنسا، وبعبارة أخرى المسلمون بفرنسا، وضعيتهم الاجتماعية ومدى انسجامهم مع قيم الجمهورية.

Macron-VS-Zemmour
Macron VS Zemmour

هذا التركيز على وضعية المسلمين داخل المجتمع الفرنسي من طرف المرشحين للرئاسة يرجع بالأساس لكون الإسلام يحتل حيزا كبيرا في الساحة السياسية والإعلامية بفرنسا؛ كيف لا وعدد مسلمي فرنسا يعد بالملايين، مما يعني أن الانتخابات الرئاسية القادمة ستشكل فارقا في حياة هؤلاء المسلمين، لاسيما حين يقف فيها كثير من المرشحين للانتخابات ضد الوجود الإسلامي ليس في فرنسا فقط، وإنما في أوروبا كلها، واعتبار المسلمين خطرا ديمغرافيا يهدد هوية أوروبا المسيحية. فتجاوزات ماكرون على سبيل المثال خلال فترة ولايته ضد المسلمين لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة، فسياسيو فرنسا اتخذوا من الإسلام والمسلمين ورقة يزايد بها كل على الآخر لاستقطاب الأنصار وجذب الأصوات قبيل الانتخابات.

فالناخبون المسلمون الذين أعطوا أصواتهم في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية السابقة لصالح زعيم حركة “الجمهورية إلى الأمام” إيمانويل ماكرون، مدفوعين بالخوف من وصول جان ماري لوبان اليمينية المتطرفة إلى الاليزيه، هم اليوم أمام انتخابات مرتقبة تساوى الجميع، فماكرون قرين لوبان في شعبويتها المتطرفة ضد المسلمين، ينضاف إليهما إريك زمور المعروف بتوجهه العنصري اتجاه المهاجرين.

الطريق إلى قصر الاليزيه

محسن المساوي

باحث في القانون العام والعلوم السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.