المثقف العضوي عند “أنطونيو غرامشي”

كيف نقرؤه اليوم؟

يعتبر أنطونيو غرامشي أحد أهم أقطاب الماركسية، وكذلك مبدع مفاهيم مثلت ثورة نظرية لليساريين، ونستحضر من خلاله أحد أهم المفاهيم العناوين التي ابتدعها هذا الأخير في إطار بروز القومية الفاشية بإيطاليا، وهو مفهوم “المثقف العضوي” باعتباره النموذج لفاعل سياسي مرتبط إيديولوجياً بحزب الطبقة العاملة، وهو ممثلها وموجهها الفكري، لكن قبل الحديث عن هذا المفهوم، لابد من تحديد الأطر النظرية والفكرية التي ينتمي إليها صاحب المفهوم بالأساس، والوقوف عنده على المستوى اللغوي ودلالته، وفي السياق ذاته سنتحدث عن المفهوم عند غرامشي، وكيف أخذته الدول الإسلامية، ثم كيف نقرأه اليوم في إطار الثورة المعلوماتية والتواصلية، التي أفرزت تجليات حديثة للمثقف، وما أوجه المقارنة بينها وبين المثقف العضوي؟
سننطلق في البداية من الإطار الفكري الذي ينتمي إليه أنطونيو غرامشي، ويتجلى حسب رؤيتنا المتواضعة في مستويين، المستوى الأول مستوى عام مرتبط بحضور الذات الفردية في السياسة عبر مؤسسات وطنية وحزبية، بمعنى آخر أن غرامشي ينتمي إلى الإطار الحداثي الذي فصل مع كل أشكال التقليدانية السياسية، التي أفرزت لبناء الدولة الوطنية القائمة على المؤسسات مثل “الحكومة، والبرلمان، والقضاء” وغيرهم من المؤسسات التي تمت مراكمتها من خلال أربعة قرون، أي إلى حدود القرن 20 “زمن غرامشي” ومنه فالإنسان هنا فاعل سياسي بامتياز، ولذلك فالإيديولوجيات التي أفرِزَت آنذاك منسجمة مع التراكم النظري والتاريخي للحداثة، ولهذا فالوعي السياسي للإنسان سيتحدد من خلال وجوده الطبقي والسياسي حيث يعي وجوده، ويعمل إما على الحفاظ عليه في حال كان يمينيا، أو إصلاحه بشكل تدريجي في حال كان ليبراليا شرط أن لا يمس مصالحه الطبقية، وإما أن يثور عليه في حال كان اشتراكيا يعتبر أنه هناك أقلية رأسمالية هي المتحكمة في الثروة ووسائل الإنتاج أي تحوز الملكية الفردية لوسائل الإنتاج التي تحتكر من خلالها الثروات والمقدرات، كما تتحكم في وعي الإنسان من الناحية الإيديولوجية، وهنا سنتحدث عن المستوى الثاني للإطار الفكري الذي ينتمي إليه غرامشي، وهو الإطار الاشتراكي الماركسي كإطار خاص، الذي يريد أن يثور على كل أشكال الاستغلال الاقتصادي والفكري الذي تمثله الرأسمالية من خلال إيديولوجيتها الليبرالية كأساس نظري، وهنا لابد من الإشارة لمسألة مهمة، سنحاول أن نبررها عبر وضعنا نحن، وهي أن الإشتراكية هي تجاوز لانحراف اليبرالية المتجسدة في الرأسمالية التي تستغل الإنسان والطبيعة، بمعنى آخر أن الاشتراكية هي تصحيح مسار الحداثة التي جاءت من أجل الإنسان ووضعته في صميمها، بمعنى أن العلاقة بين الليبرالية والرأسمالية هي علاقة اطرادية وليست عليَّة، وبالتالي فالاشتراكية هي ليبرالية في عمقها، لكونها تحرر الإنسان من كل القيود الخارجية، لكن الشيء المضاف في الاشتراكية هي الأخذ بعين الاعتبار، العلاقات الاجتماعية لكون الإنسان جزء من المجتمع. وهذا ما نلامسه في “البيان الشيوعي” لكارل ماركس الذي أشاد بما قدمته الليبرالية للإنسان، بمعنى آخر أن الاشتراكية تريد الذهاب إلى أقصى حد من أجل وضع الذات الإنسانية في قلب العالم وجعله منسجما معها باعتباره جزءا لا يتجزأ منها، وهذا هو الإطار الفكري الذي ينتمي إليه أنطونيو غرامشي، ومنه فمفهوم المثقف العضوي يدخل في هذا الإطار، إطار الحداثة والاشتراكية من خلال الالتزام الحزبي للمناضل وتمثيله وتوجيهه للطبقة البروليتاريا.
إن مفهوم المثقف يحيلينا إلى الثقافة، والثقافة في معناها اليوناني والروماني تعني الفلاحة، أي الزراعة والإنتاج وما يرتبط بهما، بمعنى أن المثقف هو الذي يعمل على تنمية ذاته بشكل دائم ويزرع في ذاته قيم وافكار جديدة لكي ينتج وينمي نفسه، وهنا نستطيع أن نفهم بشكل ما، العبارة الواردة في كتاب “كونديد، Candide” لفولتير، التي يقول فيها: “Il faut cultiver notre jardin“ينبغي أن نزرع حديقتنا” بمعنى آخر على الإنسان أن يثقف نفسه وينميها في العالم والوجود الذي يوجد فيه وأن يتخلص من كل أشكال الموت لأنه تهديد للحياة، وهنا يمكن أن نورد مفهوم “العضوية، Organique” باعتبارها انتماء إلى وحدة بنيوية، لمجموعة من الأعضاء تشكل أجزاء الكل، مثلا اليد عضو من الجسد، التلميذ.ة عضو القسم، الإبن عضو الأسرة، وهنا تتحدد ازدواجية الجزء والكل، وتمفصلاتهما مع بعضهما البعض في الترابط والانفصال وفي الاتحاد والاستقلال. وهنا أيضا يمكن أن نفهم المثقف العضوي باعتباره ذاتا تنتمي إلى علاقة تتميز عنها وفي نفس الوقت باعتبارها جزء عضويا لا يتجزأ منها “ازدواجية العضوية والاستقلالية“. وفي السياق ذاته سنتحدث عن مفهوم المثقف العضوي عند انطونيو غرامشي، ونفهم أسسه ووظائفه.
إن أساس المثقف العضوي، هو ذلك الشخص الذي ينطلق من إيديولوجيا معينة، باعتبارها المرتكز والمنطلق في الفعل والرؤية، ووظيفته، وظيفة مزدوجة، أولا لكونه يهدم تصورا لإيديولوجيا الطبقة المهيمنة المخالفة لإيديولوجيته، ثانيا بناء تصور وتمثل بديل لهذه الإيديولوجيا بهدف السيطرة على الحكم.
أحد أهم المنطلقات الأساسية في فهم فكرة المثقف العضوي لدى غرامشي، هو نقده للفصل بين “العامل اليدوي” و“العامل المفكر“، ويعتبر هذا التمييز، تمييزا إيديولوجيا، والمعنى الذي تأخذه الإيديولوجيا هنا معنى سلبيا، وهو”الوعي الزائف” حيث تحول الانتباه من الوظائف الحقيقية الموجودة في الحياة الاجتماعية إلى تفاصيل تقنية، بمعنى آخر أن هذا التمييز ينتج لنا عمال ذو نزعة مكانيكية لا يتشكل لديهم وعي بما هم عليه من الناحية الاجتماعية، وإنما يهتمون بالتفاصيل المكانيكية التي تجعلهم تقنويين فقط، (مثال، عمال الكابلاج، لا يتشكل لهم وعي فكري لما يقومون به من وظائف، ومساهمتهم في الدورة الاقتصادية، وإنما يقتصر وعيهم فقط في ما هو تقني مرتبط بالعمل). ولهذا فرغرامشي يحاول أن يقلب هذه الإيديولوجيا أي الوعي الزائف، ويجعل كل عمل يدوي أو عضلي حتى لو كان ميكانيكيا يتطلب قدرا من المهارة الفكرية، أي حد أدنى من النشاط الفكري، بمعنى آخر أن يشغل النشاط الجدلي للعامل في العمل والتفكير، وهنا لكي ينتج مثقفا ويربطه بحياته الاجتماعية التي كانت مقلوبة، أي يربطه بطبقة ينتمي إليها بشكل عضوي، بمعنى أن هذا القلب الذي يقوم به غرامشي يريد من خلاله فرز الاستعداد والقابلية للعامل المهني لكي يكوَّن تصورا وتمثلا عن العالم الذي يوجد فيه، أي جعل كل إنسان مهما كانت المهنة التي يعمل بها، “يمارس نوعا من النشاط الثقافي، كي يكون فيلسوفا فنانا، إنسانا متذوقا، يشارك في تصور ما عن العالم، أي يثير سبلا جديدة في التفكير. وبالرغم من ذلك فإن مهمة المثقف تسمو شيئا ما عن هؤلاء، لكونهم يؤدون وظائف معنية، وذلك من خلال عملية البناء والهدم، انطلاقا من مرتكز طبقي يوجدون فيه يعملون على تكون تجانس إيديولوجي للطبقة التي يوجدون فيها.

وهنا يمكن إبراز المثقف العضوي، الذي يوجد مع، وليس، في الطبقة البروليتارية، لكونه مثقفا إيديولوجيا أي دافعه دافع لبناء عالم جديد وهدم عالم قديم. ووجوده مع الطبقة التي يمثلها ويحدد التصور المنوط بها وفق وضعية تاريخية معينة، تعني أنه ليس مندمجا كليا في تلك الطبقة التي يوجد فيها، أي ليس له تفكير جماهيري، بمعنى آخر إنه من طليعة الطبقة التي يمثلها ويوجهها لكي تصعد وترقى وتغير. ومعنى كونه مفكر إيديولوجيا وليس إبستمولوجيا، معناه أن دافعه مصلحي مرتبط بمصلحة طبقة، وليس دافع معرفي يأخذ من خلاله المسافة الموضوعية لكي يحكم فقط، وإنما قد يذهب بهذا الحكم إلى تفعيله سياسيا، ومنه إلى التغيير عبر الجماهير، وذلك وفق الوضعية التاريخية، وهذا معناه أنه إذا كانت الوضعية هي وضعية هيمنة الإيديولوجية الليبرالية ذات الامتداد الرأسمالي الفج، فهو سيعمل على هدم هذه الإيديولوجية بهدف تغييرها إلى الإيديولوجيا الاشتراكية التي كمثال تحرر الإنسان كما دعت الليبرالية في مصدرها، لكن في إطار العلاقات الاجتماعية، وفي المقابل بناء تصور بديل لهاته الإيديولوجيا، وفي حال كانت الإيديولوجيا الاشتراكية هي السائدة، فإنه سيعمل على تنقية الإيديولوجيا من كل النتوءات حتى تبقى سليمة، ويحافظ عليها.
وينتقد غرامشي المثقف التقليدي مثل رجل الدين والفيلسوف، من زاوية اعتباره من الطبقات الزائلة أو في طريقها إلى الزوال، لكونها تعتبر نفسها مستقلة عن الطبقة المهيمنة، وبالتالي فهي مستمرة في التاريخ، ولذلك يرى أنه على المثقف العضوي أن يتمثل ويستوعب أيديولوجيا المثقفين التقليديين، وهذا التمثل والاستيعاب يتمان بسرعة وفعالية أكبر إذا قامت الفئة المشار إليها بإجراء مزيد من التغيير في صفوف مثقفيها العضويين”.
أمام هذه المرتكزات المهمة لفهم المثقف العضوي، سنحاول أن نتحدث عن امتدادته في بلداننا الإسلامية. أولا يجب التنبيه إلى اختلاف الأطر النظرية والفكرية بيننا وبين الغرب من جانبين، الجانب الأول، فالبرغم من اكتساح الحداثة لبلداننا منذ الاستعمار، فإننا لازلنا لم نستوعب بعد الحداثة، فنحن على مستوى الجوهر مجتمعات ما قبل حداثية، أو لنقل مجتمعات حداثية بشكل مشوه، لكوننا أخذنا نتائج الحداثة، دون الأخذ بأسبابها ، مما يجعل بروز الذات كمقوم أساسي في الحداثة غائبة عندنا، فنحن مجتمعات الجماعة التي تمحي الفرد واستقلاليته، ومنه فحتى الأحزاب باعتبارها مؤسسات تبنى على اجتماع الأفراد في جماعة، غير موجودة بالمعنى الصحيح، ثانيا لا يمكن وجود أحزاب مبنية على إيديولوجية الطبقة ما دام الفرد الذي سيؤدي لهذه الطبقة غائب، فحن لدينا عمال وفلاحين، وليست طبقة عمالية وفلاحية. والجانب الثاني، هو أن لقاءنا مع الحداثة، كان لقاءً صداميا متشنجا، لأنه التقينا مع الوجه السلبي للحداثة المتجلي في الإمبريالية، واعتقدنا أنها مخالفة لقيمنا وثقافتنا، ولذلك فحتى مثقفينا لم يستوعبوا المحرك الداخلي للحداثة، ولهذا برزت تيارات فكرية وثقافية متعددة، سواء تيار سلفي ديني، يمانع الحداثة باعتباره سلب للهوية، وإما محاولة التوفيق بين الثقافة العربية والغربية، من خلال الأخذ ما يناسبنا من الحداثة، أو السقوط في التغريب، والقطع مع التراث، متناسين أنه هناك اختلاف في الأطر والأنساق الفكرية المحددة، فنحن ننتمي لإطار لازال فيه التفكير الديني مهيمنا إلى اليوم على الذهنية العامة، وقطعنا مع التفكير والمعرفة منذ القرن 13 ميلادي، ولم نتتبع استمراريته التي وصلت إلى الغرب وتطورت، ولذلك صدمنا اللقاء مع الغرب، فكريا وعمليا، لذلك كان تأثير المثقفين على المجتمع جد ضعيف، وزاد ضعفا اليوم، مع الثورة التواصلية التي تعقدت فيها الإشكالات، حيث تفجرت الحدود الوطنية، ودخلنا في علاقات عالمية، ولكن بعقلية القرون الوسطى، ولذلك فإن المثقف العضوي الموجود هو الداعية الديني المنتمي لحركات سياسية مبنية على أساس ديني، وتأثيره ملحوظ في المجتمع، واستثماره للثورة المعلوماتية، ومساهمته في تعميق الهوة بيننا وبين العالم، لكونه ينتمي لنفس الإطار الذي ينتمي إليه المجتمع، بل هناك أرضية مشتركة بينهما، وبالتالي يسهل عليه أن ينفذ إليهم، أما المثقف العضوي في التيارات التقدمية هو شبه غائب إن لم نقل غائب، ولعل النموذج الفريد للمثقف العضوي الذي عرفه المغرب، الذي يتجلى في محمد عابد الجابري كاستثناء لم يكمل مشروعه في النسق الحزبي، خير دليل على مدى ضعف هذه البنية، بالإضافة إلى ظهور أشكال جديدة من المثقفين، الذين لا علاقة لهم بأي تصور إيديولوجي لحزب ما، وهم ما يسموا بالمؤثرين الاجتماعيين، الذين لا يساهمون في أية إضافة نوعية لتنمية أفراد المجتمع، ما عاد استهلاك المستهلك، ليست لديهم رؤية واضحة المعالم لما يقومون به، بل وحتى الطبقة المثقفة هي ضعيفة التأثير مقابل المؤثرين التواصليين، مثلا لا نجد أي تأثير لعبد الله العروي أو محمد سبيلا، وغيرهما في الساحة الاجتماعية، مقابل أصحاب حسابات التواصل الاجتماعي، وما يسموا بصناع المحتوى، وحتى من لديهم جودة وفعالية في التأثير هم قلة، يغيب عليه التأطير الفكري والثقافي. وهذا يدفعنا إلى القول بأن بناء المثقف العضوي يصعب إيجاده في مثل هكذا إشكاليات، التي لم نستوعب فيها الأسس الفكرية للحداثة التي تبني لفئة مثقفة تكون هي الحاملة والدافعة لقطار التاريخ، وتقلص الهوة بينها وبين العموم، من خلال صعود هذه الأخيرة نحوها، وبالتالي حضورها في مختلف أشكال التواصل ذو فعالية وتأثير، على خلافنا نحن الذي توجد فيه طبقة مثقفة هي التي تنزل عند العموم، وحين نزولها لا تستطيع الرجوع إلى مكانها مما يعيق حركة التاريخ ويعمق الإشكالات لدينا، ولذلك فأية قراءة للمثقف العضوي ينبغي أن تكون من خلال فهم الأطر الفكرية العامة، والإشكاليات التي تفرزها هذه الأطر، خصوصا مع تعقدها في حاضرنا، بحيث نعيش مع العالم في التكنولوجيا والتواصل الرقمي، ولكن بعقليات جد متخلفة عقلية الأجداد وأجداد الأجداد.

المثقف العضوي عند “أنطونيو غرامشي”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.