ريان

شهيد الجب

من ظلمة البئر لنور الجنان، رحل ريان تاركا جنازة في كل بيت ومأتما في كل حي، رحل الطفل الذي لا نعرف عنه شيئا سوى اسمه وقريته وظروف منيته التي أبكت الحجر قبل البشر وأراقت بدل الدمع دما من شدة الحسرة. ريان الذي نال شهرة عالمية في غضون ساعات قليلة من سقوطه في الجب السحيق، شهرة لم ينلها حتى الباحثون عنها والمتاجرون المتناحرون لأجلها، لأنها قضية إنسانية أوقفت تدفق الدم في شرايين العالم أجمع وحبست أنفاس البشر لأيام طوال.

فعلى مدار 120 ساعة أو أكثر، شدت قضية ريان، الصغير الغض ذو الخمس سنوات، أنظار الكوكب برمته نحو قرية إغران المنسية بجماعة تمروت بإقليم شفشاون شمال المغرب. لا نعرف كيف انطلقت شرارة القصة من أعماق جبال الريف العتيدة ولا حتى من ساهم في خروجها من هناك، ولكن ما نحن متيقنون منه أن القضية تعدت حدود القرية والجماعة والإقليم، بل والبلد برمته لتصير قضية تحملها قلوب وعيون كل من تكمن فيه ذرة إنسانية مهما صغرت. اسم ريان بلغ أقاصي الأرض وأدانيها ووسم “أنقذوا ريان” تصدر جميع صفحات البحث في رمشة عين.

من-موقع-الحفر
من موقع الحفر بقرية إغزران بشفشاون

جبال الريف عنيدة وصلدة، لكن الجرافات والآليات بروح سائقيها المواطنة وإحساسهم الأبوي كانت أشد صلابة منها، فدكت الصخور والرمال والتضاريس دكا لحفر طريق النجاة لريان، قبل أن يمسك المشعل رجال الصحراء الأشاوس الذين شقوا ما تبقى بعرق جبينهم وضربات معاولهم الحديدية التي لم تسأم ولم تكل، والأهم من ذلك، نبض قلوبهم الخفاق الذي لم يكن ليهدأ لولا بلوغ الهدف.

تم إخراج ريان من البئر بعد خمسة أيام من العمل المتواصل، أطقم مجهزة انتقلت خصيصا لانتشال الطفل ومغاربة طووا الطرق طيا لبلوغ أراضي تمروت للمساعدة، ولكن قدر الله وما شاء فعل!! فارقت الروح الجسد بأمر من ربها ولحكمة لا يعلمها إلا هو تعالى، والأكيد أن ريان هو الآن شهيد أمة، ذكرى إنسانية جمعاء وعصفور بجنان الخلد العلى.

خمسة أيام أبى باطن الأرض أن يلفظ فيها جسد الطفل الطاهر إلا بعد جهود حثيثة ومضنية لرجال أزاحوا الجبل من مكانه طلبا لقعر البئر، وتضحيات نساء بتن في العراء لأجل إطعام من هم في الصفوف الأمامية. وخلال خمسة دقائق فقط، صعد المتابعون إلى سابع سماء فرحا بإخراج الصغير من زنزانته، ثم هوى الجميع إلى سابع أرض بعد إعلان خروج الروح لبارئها. والحق أن غالب الظن كان أن الطفل قد مات منذ مدة، ولكن باب الأمل، وإن كان غير منطقي، بقي مفتوحا إلى آخر رمق.

علي-الصحراوي،-قائد-فريق-حفر-الخندق-الأفقي-لإنقاذ-ريان
عمي علي الصحراوي، قائد فريق حفر الخندق الأفقي لإنقاذ المرحوم ريان

ما قدمه ريان للعالم في خمسة أيام لم يستطع آلاف المشايخ والحكام تقديمه في مئات السنين. ريان وحد المسلم والمسيحي واليهودي، بل جمع قلوب الناس على موضوع واحد وأمل واحد. ريان وجه بوصلة العالم كلها لنقطة توقف فيها نبض القلوب وتسارعت فيها عقارب الزمن. ريان فقيد الإنسانية جمعاء، جاء ليوقظ ضميرها من سباتها العميق ويوحدها دون ميز بين دين أو عرق أو طائفة أو لون أو لغة؛ الكل كان يدعو له بالنجاة من دون سبب سوى أنه طفل، إنسان. ورغم بعض المظاهر المخزية لتجار الأزمات والمسترزقين من الفواجع، إلا أن ذكرى تلاحم المواطنين وتضامن الجميع كل من موقعه، بل وتضحية الشهام من عموم الشعب بأرواحهم لأجل الصغير ستبقى ذكرى راسخة في أذهان كل من تابع أو حضر.

ريان أفجع قلب المغاربة في شفشاون وأحزن شعب الجزائر الأحرار في وهران، بل وبكت لأجله مآذن القاهرة ودمشق ونزفت له صحراء اليمن وبحار عمان، وصلى له العُمّار في مكة والمقدسيون بالمسجد الأقصى ورفعت لنجاته أكف الضراعة في الدوحة ولهجت لأجله ألسنة أهل قرطاج وبغداد بالدعاء.

وكما قال أحد الأصدقاء في منشور له “انتقل الملاك ريان من جب الظلمة إلى رحمة الرحمن، ومن ضيق الحفرة إلى سعة الجنان، ومن وحشة مراتع الدود إلى فسحة فردوس الخلود، ومن باطن الأرض إلى عنان السماء”. فندعو البر تعالى بالرحمة للصغير ريان ولوالديه بالصبر والسلوان، ومهما قلنا أو كتبنا أو أشفقنا، فسبحانه تعالى أرحم منا به وأحن، ونفس واحدة أعز عند الله من الكون بما فيه.

ريان

حمزة بوهلال

مدون وعضو فريق زوايا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.