قراءة في كتاب عبد العزيز الدوري “النظم الاسلامية”

شيخ المؤرخين ومؤرخ القومية العربية

مقدمة

تعتبر الأمة الإسلامية من بين الأمم التي اعتمدت على نظم ومؤسسات فكشفت بها عن قوتها ومقدارها على البقاء والنمو وتطورها خلال مختلف مراحلها. فالنظم والمؤسسات تساعد المؤرخ على دراسة تاريخ هذه الأمة، ومعرفة الحلول التي كانت تضعها وقت الأزمات في تدبير شؤونها وحاجاتها.

كما أن دراسة هذه النظم والمؤسسات لا تعني حصرها واعتبارها جامدة، وإنما تتبع سيرورتها، فهذه النظم والمؤسسات لم تظهر مباشرة مع الإسلام، بل إنها أخدت وقتا من أجل الظهور عن طريق التأثر بالأمم التي كانت في ذلك الزمان، ثم بعد ذلك أخدت تتطور وتصبح خاصة بالمسلمين والعرب من خلال تعريبها، وفي هذا السياق نجد عددا مهما من الدراسات سواء من العرب (المسلمين) أو المستشرقين، والتي اهتمت بهذا الموضوع؛ بل بعضها عنون كتابه بنظم الدولة الإسلامية، وبعضها بالدولة الإسلامية سيرورة تطور؛ وموضوع دراستنا هو أحد هذه الكتب لعبد العزيز الدوري الذي عنون كتابه “بالنظم الإسلامية”، وتحدث فيه عن نظم ومؤسسات هذه الدولة من مسار نشأتها إلى أن عرفت تطورا واضحا، ليبقى السؤال الذي يطرح في هذا الصدد هو:
– ماهي الإضافة التي قدمها عبد العزيز الدوري من خلال كتابه هذا؟ – وما هي أهم النظم التي عالجها؟

أولاً: القراءة الوصفية للكتاب

1-التعريف بالكتاب

عنون عبد العزيز الدوري كتابه بالنظم الإسلامية وهو ضمن الأعمال الكاملة للدكتور عبد العزيز الدوري (6)، من منشورات مركز دراسات الوحدة العربية ووقع اشتغالنا على الطبعة الأولى الصادرة ببيروت، فبراير 2008. والكتاب من الحجم المتوسط، ويقع في 223 صفحة. وبالنظر إلى محتوياته يتضح أن الكاتب قسم كتابه إلى تلاث فصول ومقدمة، وذيله بقائمة للمصادر والمراجع المعتمدة، إلا أنه لم يخصص خاتمه لكتابه.

هيكل عبد العزيز الدوري كتابه إلى ثلاث فصول:

– الفصل الأول خصصه للحديث عن النظم السياسية، وقسمه إلى ثلاثة محاور؛ عنون الأول بأصول النظم السياسية، والثاني نظام الخلافة وتطوره، أما الثالث عنونه بنظريات الخلافة.

– أما الفصل الثاني فتناول فيه بالحديث النظم المالية، وقسمه بدوره إلى أربع محاور، سمى الأول بتدابير الرسول، والثاني التنظيمات المالية للخليفة عمر بن الخطاب، والثالث ذكر فيه نظام الضرائب في العصر الأموي، أما الرابع تحدث فيه عن نظام الضرائب في العصر العباسي الأول.

– أما بخصوص الفصل الثالث والأخير جاء بعنوان النظم الإدارية حيث تحدث في المحور الأول عن الدواوين والمحور الثاني عن الوزارة نشأتها وتطورها.

2- التعريف بالكاتب وبعض إصداراته

• الأستاذ عبد العزيز الدوري: ولد عبد العزيز عبد الكريم طه الحمد عام 1919م في قرية الدور، التابعة إدارياً إلى قضاء سامراء التابعة إلى لواء بغداد، وتربى في أسرة كريمة وعزيزة الجانب بل ومهابة. ويعد عبد العزيز الدوري شيخ المؤرخين وإمام التاريخيين. حصل على بكالوريوس شرف في التاريخ من جامعة لندن عام 1940م، وعلى الدكتوراه من جامعة لندن عام 1942م، ثم درس التاريخ في دار المعلمين العالية، وبعد ذلك بكلية الآداب والعلوم قبل قيام جامعة بغداد. عمل مؤسساً وعميداً لكلية الآداب والعلوم، ليتولى منصب رئيس جامعة بغداد خلال الفترة 1963-1968م، لينتقل بعدها للتدريس في الجامعة الأردنية. استطاع الدوري في مؤلفاته التاريخية أن يقدم صورة جديدة للتاريخ العربي الإسلامي عن طريق دمجه لأصالة البحث التاريخي في مؤلفات المؤرخين العرب القدماء مع أدوات التحليل والبحث التي استقاها من الغرب .

كان للأستاذ عبد العزيز الدوري مجموعة من الإصدارات وقام بترجمة وتحقيق عدة كتب، وألف في مجالات مختلفة، إلا أننا سوف نشير إلى بعض كتاباته التي لها علاقة بموضوع الكتاب الذي اشتغلنا عليه:
• عبد العزيز الدوري، مقدمة في تاريخ صدر الاسلام، الطبعة 2، بيروت، 1961.
• عبد العزيز الدوري، العصر العباسي الأول في التاريخ السياسي والإداري والمالي، دار الطليعة، بيروت، 1962.
• عبد العزيز الدوري، دراسات في العصور العباسية المتأخرة، شركة الرابطة للطبع والنشر، بغداد 1945.
• حقق كتاب تحت عنوان أخبار الدولة العباسية وفية أخبار العباس وولده لمؤلف من القرن الثالث الهجري (عن مخطوط فريد من مكتبة مدرسة أبي حنيفة- بغداد)، تحقيق الدكتور عبد العزيز الدوري والدكتور عبد الجبار المطلبي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1971.

ثانياً: قراءة في فصول الكتاب

الفصل الأول: النظم السياسية

قسم عبد العزيز الدوري الفصل الأول من كتابه إلى تلاث محاور أساسية:

المحور الأول: أصول النظم السياسية: ناقش المؤلف في هذا المحور فكرة مفادها أن النظم السياسية الإسلامية ترجع أصولها إلى الأنظمة العربية قبل الإسلام، والمتمثلة في التقاليد السياسية العربية والساسانية والبيزنطية.

بالنسبة للتقاليد العربية أفادنا الكاتب أن النظام عند العرب في الجاهلية أي قبل الإسلام يقوم على أساس القبيلة، وكان لكل هذه الأخيرة مجلس شورى يتكون من المنتفدين، وهو ما يؤكد أن النظام السياسي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت مشاربه من النظام السياسي العربي، وكان هذا المجلس ينتخب شيخ القبيلة وذلك على أساس عدة اعتبارات، ولم ينشأ مبدأ الوراثة في المشيخة، وسلطة الشيخ شملت النواحي السياسية والاجتماعية وامتدت حتى السلطة الدينية، بالرغم من أن سلطة الشيخ لم تكن مطلقة في هذا الصدد.

لقد تحدث عبد العزيز الدوري عن بعض تقاليد مكة السياسية التي تأثرت بها الأنظمة السياسية للمسلمين، وعلى سبيل المثال نجد مسألة الجماعة وهم الأهلون في مكة؛ وهي كلمة حافظ عليها الرسول للتمييز بين أتباعه، ثم مجلس الملأ الذي كان يتحكم في السلطة في مكة، بالإضافة إلى دار الندوة والتي تجرى فيها المشاورات وشبهها الكاتب بالسقيفة لدى قبائل المدينة حيث تتم فيها البيعة.

بخصوص التقاليد الساسانية أشار المؤلف بأن الدولة الساسانية صفتان رئيسيتان، الأولى: وجود دين رسمي لها تعززه، مرتبط بالسياسة ومتعاون معها، والثانية: المركزية القوية في الإدارة ، يجمع الملك في هذه الدولة والذي كان حكمه مطلقاً وسلطته مقدسة بسبب الديانة الزردشتية؛ ما بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، ويعد الملك المرجع الأعلى للمتظلمين، ويعنى بحفظ العدل ومعرفة شؤون الرعية ويعنى بالظهور أمام الناس في مناسبات خاصة لسماع شكواهم.

أما فيما يخص التقاليد البيزنطية فقد أبرز الكتاب في هذه النقطة بعض ملامح نظام حكم الدولة البيزنطية التي كان على رأسها الإمبراطور (Emperor)، وبعد الاتصال بالشرق الساساني صار الامبراطور أوتوكراتور Autocrator أو المستبد يضاهي الشاهنشاه في الأبهة والفخامة، وبذلك صار منصب الإمبراطور مقدسا بسبب المسيحية، وفي هذا الصدد قال جستنيان نقلا عن عبد العزيز الدوري: “ثقتنا بالسلاح، ولا بالجند ولا بعبقرياتنا، ولكنها في القدر والثالوث المقدس”. وأضاف قائلاً: “وهل يوجد شيء أعظم وأقدس من الجلالة الإمبراطورية؟” . وبالرغم من الامتيازات التي أتيحت للإمبراطور فإن لسلطته حدود، ومن أهمها القسم عند اعتلائه العرش بالولاء الكنيسة ولقرارات مجالسها السابقة، وباتباع الدين الحنيف.

وفيما يلي من صفحات هذا المحور تطرق المؤلف إلى دور الرسالة أي الرسول(ص) في التاريخ الديني والسياسي بعد هجرته إلى المدينة، حيث أهتم بفئة المسلمين بالرغم من قلتها حينئذ وعمل على إنشاء بعض المؤسسات الاجتماعية في الاسلام ووضع نظام المؤاخاة. وقد أشار الدوري بأن الرسول(ص) ألف كتابا بين المهاجرين والأنصار واليهود بين فيه أسس الدولة الجديدة في المدينة، وقد ناقش الدوري بعض فقرات هذا الكتاب الذي حققه محمد حميد الله الحيدر أبادي حسب قوله، وينقسم إلى قسمين، ونستشف من تحليله أن مضمون الكتاب يدور حول تحالف اليهود مع المسلمين؛ إلا أن ذلك يعارضه قول المؤلف حينها قال:” فقد طردت آخر قبيلة يهودية بعد غزوة الخندق سنة 5هـ، وبذلك لم يبق معنى للحلف مع اليهود كما أن صلح الحديبية في السنة السادسة الهجرية فتح باب أمام الرسول للتحالف مع من شاء من القبائل وهذا لا شك أدى إلى تعديل كبير في معنى الكتاب” .

المحور الثاني: نظام الخلافة وتطوره: أسهب عبد العزيز الدوري في الحديث عن نظام الخلافة ونشأته وتطوره في مختلف أدوار التاريخ الإسلامي، إلا أنه لم يتوقف عند مفهوم الخلافة بشكل دقيق للتعريف به، فالخلافة مصدر «خلف»، يقال: خلفه خلافة، كان خليفته وبقي بعده. والخليفة السلطان الأعظم، والجمع خلائف وخلفاء . والخلافة مؤسسة سياسية نمت نموا طبيعياً في الظروف التي وجدت فيها، ونشأت كضرورة اقتضتها الحالة الإسلامية عقب وفاة النبي، أما الفقهاء فيحاولون أن يلتمسوا للخلافة سنداً من القرآن والسنة، ويدللون على صحة دعواهم بما نزل في القرآن الكريم من الآيات التي وردت فيها كلمة «خليفة» و«إمام» .
لقد تتبع الكاتب بين ظهراني هذا المحور مسار تطور نظام الخلافة منذ عصر الراشدين مروراً بالعصر الأموي، ثم العصر العباسي ففترة النفوذ التركي وصولاً إلى ما أسماه بالدور البويهي؛ ولا بد لنا من إلقاء نظرة حول تطور نظام الخلافة على مر هذه العصور لاكتشاف مدى تأثير التقاليد العربية والساسانية والبيزنطية على هذا النظام.

1- في عصر الراشدين:

بعد إعلان وفاة الرسول في السنة الحادية عشرة للهجرة اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة للتشاور حول من سيتولى قيادة المسلمين مصممين على مبايعة سيد الخزرج سعد بن عبادة، وبمجرد ما وصل خبر هذا الاجتماع إلى أبي بكر وعمر التحقا بالسقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح، وقد بذل الثلاثة جهدا لإقناع الأنصار، الذين كانوا على وشك حسم مبايعتهم لسعد بالعدول عن ذلك. ويظهر من خلال النقاش الذي دار على إثر ذلك أن الأنصار باعتبارهم أهل البلد وباعتبار خدمتهم ونصرتهم للرسول، كانوا يصرون على اختيار خليفة منهم أو على الأقل أن تكون الخلافة مشتركة بينهم وبين المهاجرين، وهو ما رفضه كل من أبي بكر وعمر وأبو عبيدة الذين أصروا بدورهم على أن يكون الخليفة منهم باعتبار انتماء الرسول لقبيلتهم أي لقريش، وكذلك اعتبارا لزعامة وسيادة هذه الأخيرة على سواها من قبائل العرب. وبعد نقاش طويل استقر رأيهم على مبايعة أبي بكر اعتبارا لصحبته وقربه من الرسول الذي كان يميل إلى الاعتماد عليه للنيابة عنه في الأمور المهمة كما حدث عندما ناب عنه في إمامة الصلاة خلال مدة مرضه الذي توفي منه. وقد تال هذه البيعة الخاصة بالسقيفة بيعة عامة في اليوم الموالي بالمسجد حيث ألقى أبو بكر خطبته معلنا بيعته أمام عامة المسلمين. واختلفت بعض الروايات حول مبايعة سعد بن عبادة لأبي بكر، وكذلك حول توقيت مبايعة علي بن أبي طالب له. وحسب ابن خلدون فإن بيعة أبي بكر تمت بإجماع المهاجرين والأنصار باستثناء سعد بن عبادة، وهو ما أشار إليه عبد العزيز الدوري نقلا عن الطبري. ومنذ ذلك أخذ أبوبكر تسمية خليفة رسول الله ومعناه أنه يسير على سنة الرسول في الحكم، وبين أن أساس حكمه العدل والجميع سواء أمام القضاء، وأن الجهاد عماد الدولة، وأن دستور المسلمين هو كلام الله وسنة رسوله ، الشيء الذي يؤكد انتصار نظام الانتخاب الحر على نظام الوراثة خلال فترة الخلافة الراشدية.
تولى عمر بن الخطاب الخالفة مباشرة بعد وفاة أبي بكر، فلتفادي حدوث أزمة بخصوص اختيار الخليفة الجديد ولتأمين انتقال سلس للخلافة بعد وفاته، حرص أبو بكر خلال أيامه الأخيرة بعد أن اشتد مرضه على أن يعهد لعمر بن الخطاب بالخلافة بعده، واستشار كبار الصحابة (أمثال عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف) في ذلك، فزكوا عهده لعمر بن الخطاب، وحسب عبد العزيز الدوري يرى كل من ارنولد وليفي ديلافيدا أن استخلاف عمر كان موافقا للتقاليد العربية، لأن نفوذ عمر ومركزه القوي في خلافة أبي بكر جعلاه الخلف الحتمي للخليفة الأول وأن موافقة الصحابة وبيعتهم له أكدت سلطانه.

قبل وفاة الخليفة عمر بن الخطاب لم يعهد بالخلافة لشخص معين كما فعل سابقه أبو بكر، وإنما اقترح مجموعة من المرشحين الذين يعرفون بأهل الشورى، وكانت القائمة مكونة من ستة من كبار الصحابة (عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام)، على أن يتشاور الستة ويختاروا واحدا منهم. فوقع الاختيار على عثمان بن عفان، وهو ما يوضح أن عمر بن الخطاب التجأ إلى الشورى، واستند في اجتهاده إلى فكرة الملأ أو مجلس الشورى المكي قبل الإسلام، وكان لبني أمية أثر في انتخاب عثمان بن عفان. وبعد مقتل هذا الأخير ألح مجموعة من الصحابة من المهاجرين والأنصار على مبايعة علي بن ابي طالب فرفض في البداية؛ ثم قبل بعد إصرارهم فبايعوه، وشكلت مسألة أخذ القصاص من قتلة عثمان نقطة خلاف قسمت المسلمين وأذكت مزيداً من الفتن والحروب خلال فترة خلافة علي بن أبي طالب.

يتضح جلياً بأن التقاليد العربية أثرت بشكل أو بآخر على فترة الخلافة الراشدية سواءً في طريقة الانتخاب أو على مستوى سلطة الخلافة.

2- في عصر الأمويين

أسهب الكاتب في الحديث عن نظام جديد في الخلافة والذي اتخذته الدولة الأموية، وهو نظام الوراثة؛ فلما قتل علي بن أبي طالب بايع أهل الكوفة ابنه الحسن لكن خلافته لم تدم إلا ستة أشهر فتنازل عن الخلافة لصالح معاوية بن أبي سفيان، والذي ابتدع نظام الوراثة سنة 676م، في محاولته للحصول على البيعة ليزيد . وهو ما وقع بعد وفاة معاوية حيث جدد البيعة ليزيد تأكيدا للعهد، وصارت عادة يسير عليها الخلفاء، وبهذا أصبحت الخلافة في العهد الأموي وراثية، فقد وجد معاوية أن العامل الأساسي الذي جر إلى انقسام المسلمين إنما هو المنافسة على الحكم، وكان متأثراً في ذلك بالنظام الذي كان سائداً في الدولتين: البيزنطية والساسانية اللتين كان الحكم فيهما وراثياً . إلا أن نظام الوراثة لم يستقر في العهد الأموي فلقد عاصر نزاع مستمر بين ثلاث مبادئ: المبدأ الإسلامي، والمبدأ القبلي، ومبدأ الوراثة المباشرة، وبالرغم من ذلك فإن معاوية الثاني بن يزيد تولى الحكم عن طريق مبدأ الوراثة، وترك الميدان واسعا لتصادم المبادئ الثلاثة التي وجدت من يمثلها، فابن الزبير يمثل المبدأ الاسلامي، ومروان يمثل المبدأ القبلي، وخالد بن يزيد يمثل مبدأ الوراثة . وقد خلص صاحب الكتاب إلى أن المبدأ القبلي هو الأكثر تأثيراً في بني أمية، حيث تم انتخاب مروان على أساس قبلي، بالإضافة إلى أن إخفاق عبد الملك في تنحية أخيه عبد العزيز، وإخفاق الوليد في تنحية أخيه سليمان شكل صدمة لمبدأ الوراثة، كما أن عهد سليمان إلى عمر بن عبد العزيز، وعهد يزيد الثاني إلى أخيه هشام، ثم عهد هشام إلى الوليد كان نصرا للمبدأ القبلي، وما يؤكد ذلك هو مجيء آخر الخلفاء الأمويين مروان الثاني. وقد أشار المؤلف بأن إدخال نظام التوريث في الخلافة أدى إلى ظهور اتجاهين اثنين وهما، نظرة الخليفة إلى سلطته ونظرة الفقهاء إلى الخلافة.

3- في العصر العباسي الأول (حتى مقتل المتوكل 247هـ/861م)

ناقش الأستاذ عبد العزيز الدوري في هذا الصدد فكرتين أساسيتين، وذلك مع مجيء العباسيين للحكم وأثروا في نظام الخلافة. فالأولى تتمثل في كون العباسيين أكدوا نظام الوراثة في الخلافة، وضروا التقاليد القبلية وتشبتوا بانتسابهم وقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتمد الكاتب في تحليل هذه الفكرة على بعض الآيات القرآنية، وكذا المصادر التاريخية الأصلية، وخلص بأن العباسيين عملوا من أجل اقناع الناس لقبول حكمهم الذي جاء لإرجاع الحق لأهله، واتخذوا من كتاب الله وسنة رسوله مرجعاً لدولتهم؛ وأخدوا يقربون الفقهاء لإظهار تمسكهم بالدين، وأكثر من ذلك اتخذ المأمون لقب الإمام؛ الشيء الذي زاد من قدسية الخليفة حتى صار يدعى خليفة الله. أما الفكرة الثانية نجملها في تأثر الدولة العباسية بالفرس وبنظريتهم الاستبدادية بعد اشراكهم في الحكم، وهو ما أشار إليه ارنولد حيث يقول عن الدولة العباسية: “ربما ورث هذا الشكل الاستبدادي في الخلافة عن الفرس… لأن هذا النوع من النظام الاستبدادي لم يعرفه عرب الجاهلية، ولا يتفق مع روح المساواة في القرآن أو مع نظرة المسلمين الأول” . إلا أن عبد العزيز الدوري يرجع البوادر الأولى للانعزال عن الرعية والاستبداد إلى الدولة الأموية. ولعل من تأثيرات الفرس على العباسيين على مستوى النظم أن أخذوا عنهم نظام الوزارة، كما عملوا على محوا التقاليد العربية في قضية السن (عُهد للأمين وعمره خمس سنين)، بالإضافة إلى تأكيد الوراثة من الأب للابن.

4- في فترة النفوذ التركي (247-334هـ/ 862-945م)

تحدث المؤلف عن الفترة ما بين سنة 247هـ التي قتل فيها المعتمد إلى سنة 334هـ التي شهدت الغزو البويهي، وبين هذين الحدثين اتسم فيه النفوذ التركي بالتزايد أحياناً والتقلص أحياناً أخرى. وقد تدخل الأتراك في اختيار الحلفاء وممارسة التأثير والتعيين؛ مما أدى إلى الصراع حول السلطة سيما قبيل مقتل المتوكل، ووقع اضطراب في نظام الخلافة حيث قام الأتراك بعزل وتعيين في الخلفاء طيلة الفترة الممتدة ما بين 247-256هـ، بعد ذلك رجعت الخلافة إلى هيبتها وانتعاشها مع عهد المنصور الثاني وابنه المعتضد، وتقلص نفوذ الترك بشكل مؤقت إلا أنه رجع في التزايد خلال خلافة المقتدر (295-321هـ). لقد ترتب عن عجز الخزينة وفساد الإدارة إنشاء إمارة الأمراء الشيء الذي استغله ابن رائق لرئاسة الجيش في بغداد مقابل دفع نفقات للإدارة؛ وهو ما سبب في انتقال الحكم إلى رجال الجيش بعد أن أصبحت الأموال بيد أمير الأمراء، وقد تلث ذلك مجموعة من الأحداث أدت إلى إضعاف النفوذ التركي سيما عهد المعتد (256-279هـ)، وبعد وفاة الموفق خلفه ابنه المعتضد وفي عهده انتعش نفوذ الخلافة ورجع نفوذ الادارة وعادت الهيبة على الوزراء وعم الاستقرار في عهده وعهد ابنه المكافئ.

لقد كان للكتاب الأربعة كل من محمد بن داود وابن عبدون وابن الفرات وعلي بن عيسى دورا مهما في السلطة؛ إذ يستشير معهم الوزير في حل بعض المشكلات، بالإضافة إلى أنهم يشاركون في تعيين الخليفة، حيث قام محمد بن داود وابن عبدون بترشيح ابن المعتز، فيما رشح ابن الفرات جعفر بن المعتضد وهو ابن ثلاث عشر سنة، وبذلك طرح مشكل السن من جديد. وكان من نتائج زيادة نفوذ الترك، ضعف سلطة الخلافة وإنشاء منصب أمير الأمراء الذي يذكر اسمه في خطب الجمعة ويوضع اسمه على النقود مع لقب الخليفة، إلا أن العباسيون قوي مركزهم بوجود أحاديث في صالحهم تنسب للرسول والخليفة لا يمكن له أن يتنازل إلا بإرادته أو سبب فسقه أو نقص في بدنه. ووجد الأتراك في سما العيون أسهل طريقة للتخلص من الخلفاء وهو ما قام به توزون لما أراد تنحية المتقي، وهي عادة أخذوها عن البيزنطيين، وخلص عبد العزيز الدوري في الأخير إلى القول بأن أخطاء الواثق والمكتفي تركت المجال للترك ولرجال الحاشية للتحكم في اختيار الخلفاء، وأن تقلص أراضي الخلافة أدى إلى ضعف أهميتها، كما أن تدخل رجال الجيش أسهم في زعزعة وزوال المؤسسات الإدارية وكذا فسادها.

5- في الدور البويهي

لقد شهدت بغداد غزوا من قبل البويهيين ليشكل عصرهم امتدادا لعصر أمير الأمراء؛ وسيادة الاتجاه العسكري على مؤسسات الدولة، حيث كان البويهيين على رأس جيش أجنبي، وتم إنشاء إمارة وراثية وكانوا شيعة زيدية، وبمجيئهم انحط مركز الخلافة وأظهروا قلة احترامهم للخلفاء العباسيين، كما أنهم يتدخلون في تعيين كاتب الخليفة والتدخل في تدبير الأموال بحيث تم منح معز الدولة للمستكفي خمسة الألف درهم في اليوم، ثم خفض ذلك عند تعيين المطيع إلى ألفي درهم يومياً، وبعد افتتاح البصرة قطع معز الدولة ذلك الراتب عن الخليفة في مقابل منح له ضياعا تدر مائتي ألف دينار سنوياً، وأكثر من ذلك هناك من يطمع في هذا الراتب وهو ما فعله بخيتار سنة 361هـ، حين طلب أربعمائة ألف دينار بحجة الجهاد، كما أن البويهيين أجبروا الخلفاء بتفويض السلطة لهم بصورة رسمية علنية، إضافة أنهم شاركوا الخلافة في بعض امتيازاتها؛ إذ كان اسمهم يذكر في خطب الجمعة ويضاف اسم الأمير البويهي ولقبه وكنيته، وكذا اسم رئيس العائلة وألقاب ولي العهد على النقود المسكوكة في بغداد، وكل هذا مهد لعضد الدولة بالتفكير في نقل الخلافة إلى البيت البويهي؛ ولم يبقى للخليفة إلا نفوذه الديني فأخذ يتمسك به، وبهذا اعتبر بالنسبة للسنة مصدر السلطان ورمز الشريعة، وبواسطة هذا النفوذ استرجع الخلفاء بعض سلطانهم في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، وكان الخليفة يمنح الألقاب والتشريفات، بالرغم من أنه يرفض إعطاء بعض الألقاب، كما أن هذا النفوذ جعل البويهيون يتظاهرون باحترام كبير للخلفاء ويبالغون في إظهار أبهة الخلافة في المناسبات.

المحور الثالث: نظريات الخلافة

1-نظرية أهل السنة: تحدث عبد العزيز الدوري عن نظرية أهل السنة للخلافة بمن فيهم الفقهاء الذين بحثوا في القرآن والحديث لوضع أسس نظرياتهم في الخلافة، إلا أن المصدر الأهم لإثبات ذلك هو الحديث، وهو ما أشار إليه أبي يوسف في مقدمة كتابه الخراج، حيث أكد على ضرورة الطاعة للإمام طاعة مطلقة، وأضاف أن للخليفة واجبات كذلك كإقامة الحدود ورد الحقوق إلى أهلها والسماع لأراء الناس، وبهذا يتضح أن الحديث هو أول مصدر لأهل السنة لتكوين نظرية للخلافة حيث اتخذت صورة نصائح وإرشادات، وإلى جانب هذه النظرية؛ نجد نظرية الماوردي باعتباره فقيها يتجنب التفكير النظري المجرد ويطبق نظريات الفقهاء على الحقائق المعاصرة، كما أنه ألف كتاب في نظرية الخلافة؛ واستخلص بأن الدولة دائماً ما تعتمد على الخليفة حتى في اسوأ اداورها، والماوردي بالرغم من كونه فقيهاً إلا أنه يختلف عن كثير من فقهاء أهل السنة، وقد تحدث عبد العزيز الدوري عن نظرية هذا الأخير بإسهاب كبير مشيراً إلى مزاياها وأهم ما جاءت به. وعليه فإن نظرية الخلافة عند أهل السنة تعد تهذيبا للتطورات السياسية.

2- آراء الخوارج في الخلافة: حدد عبد العزيز الدوري حدث وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، والنزاع عن الحكم بداية ظهور الفرق في تاريخ الإسلام وذكر الخوارج والشيعة والمرجئة، وما يهمنا في هذا الصدد هي فرقة الخوارج التي تكونت بعدما حصل النزاع بين معاوية وعلي وقبوله لمسألة التحكيم، ويعد كل من الطبري وابن الأثير وفلهاوزن الذي نقل عنهم بأن الخوارج الأولين من القراء، إلا أن برونو يرى أن الخوارج الحقيقيين كانوا بدوا وليسوا بقراء، وأن القراء أرادوا التحكيم، ويحدد هذا الأخير أن موطنهم من قبائل الجزيرة التي توطنت في البصرة والكوفة بعد الفتح. أما عبد العزيز الدوري قسم الخوارج إلى ثلاث جماعات، فالأولى تمثل الأكثرية وهم جماعة من المحاربين البدو وأكثرهم من تميم، والثانية هي الشيعة، أما الثالثة تعد قسم من القراء الذين انشغلوا بسبب التحكيم الذي لم يحسم الخلاف بل زاده، وكان رأي الخوارج بخصوص الخلافة لا يرتبط بأي قبيلة بل يمكن أن يترشح له كل عربي أراد ذلك، وبعد الانضمام الكبير للموالين الذين وسعوا دائرة الترشح إلى غير عربي، كما أن البعض منهم أجازوا إمامة المرأة، والإمام يجب أن يخضع لله تعالى ولأوامر الشرع كذلك. وفي الأخير أشار الدوري بأن البساطة بقيت عالية في نظريتهم الفقهية ولم تكن لهم وحدة عسكرية أو سياسية ولم يكونوا مبادئ الوحدة.

3- نظرية الأمامية في الخلافة: عرف الكاتب الأمامية كونها: «علم على دان بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان، وأوجب النص الجلي والعصمة والكمال لكل إمام، ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي عليهم السلام وساقها إلى الرضا على بن موسى عليه السلام»؛ ومعنى هذا قص الإمامة على الإثني عشر أو الجعفرية. وقد أشار الدوري عبد العزيز إلى أمرين اثنين؛ الأول كون الإمامة جزء من الدين والموالاة للإمام جزء من العقيدة وأن عبادة الله لا تتم إلا بمعرفة الإمام وأتباعه، والأمر الثاني يتجلى في أن الإمامية لم تكن لديها سوابق تاريخية عملية (الإمام علي). ولذلك فإن نظريتهم للإمامة اعتمدت على القرآن والسنة وكذا أقوال الأئمة، وعمل الدوري على عرض نظرية الإمامية في الإمامة بالاستناد إلى كتاب الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني، وأكد أن للأمة مزايا خاصة ومن أهمها العصمة والعلم، كما أن عليهم واجبات مهمة؛ حيث الإمام عليه بتطبيق أوامر الله ونواهيه ويقيم الحدود، وأن يحافظ على الدين ونشره، ثم القيام بالجهاد وحماية الثغور والأطراف، وكذا الإشراف على النواحي المالية، إضافة إلى الحكم بالعدل بين الناس، وأن يقسم بينهم بالسوية.

الفصل الثاني: النظم المالية.

يقوم النظام المالي داخل نظام سياسي واجتماعي واقتصادي معين، فيكون بذلك انعكاسا للنظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يقوم فيه، ويتولد عن هذه الانعكاسات سمات عامة يصاب بها النظام المالي، فيعمل على تحقيق الأهداف والغايات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يقوم عليها النظام العام .

المحور الأول: تدابير الرسول

أورد عبد العزيز الدوري بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهج سياسة تتصف بالمرونة، وبمراعاة مقتضى الحال؛ فقد راعى طريقة خضوع البلاد له بالقوة أو بالصلح، وراعى أهلها عربا أو غير عرب، كما لاحظ حالتهم المعاشية أكانت لهم أرض أم لا. وبضوء ذلك وضع عدة تدابير يمكن تصنيفها لما يلي :

1-الأراضي المفتوحة عنوة: لقد تم تقسيمها إلى قسمين الأراضي غير العربية (خيبر وأم القرى) حيث اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم عائداتها غنائم للمسلمين وفرض على أهلها الخراج. فيما القسم الثاني المتعلق بالأراضي العربية فن الرسول لم يفرض على أهلها خراجا، بل فرض فقط العشر لأنه كان له من وراء ذلك أهدافا سياسية واجتماعية؛ وهي ضمان الوحدة العربية .
2-الأراضي التي فتحت صلحا: وهنا دائما ما كان يفرض على هذه الأطراف دفع الجزية فقط.

المحور الثاني: التنظيمات المالية للخليفة عمر بن الخطاب

قبل الشروع في جرد هذه التنظيمات فقد أشار عبد العزيز الدوري لقانون جديد أحدثه عمر بن الخطاب ألا وهو عدم تقسيم غنام الفتوحات على الفاتحين، بل يذهب بها إلى بيت المال خشية الفتنة والتفرقة بين المسلمين .
1-تنظيم الضرائب: أفادنا عبد العزيز الدوري بأن عمر بن الخطاب استفاد من الأنظمة الساسانية في تنظيم الخراج، وكذلك في مجال إصلاح الضرائب فيما استفاد من البيزنطيين في ضريبة الأرض التي كانوا يعتبرونها أهم الموارد المالية.

وبالرغم هذه التعديلات فإن قلة تجربة العرب في النواحي المالية مع عدم وجود تشريع سلامي فيها آنئذ (عدا تقسيم الغنيمة)، لذا كانت أنظمة الضرائب غير ثابتة في خلافة عمر، مرنة في الوقت نفسه، وهذا ما نجده واضحا في عدم وجود قواعد معينة للجزية والخراج في عدة قبائل . وبهذا فإنه نتج عن اتباع الأنظمة المالية المحلية أن بقيت الجزية والخراج يحملان معناهما القديم. فالجزية ضريبة يدفعها العبد للسيد، والخراج ضريبة يدفعها المزارع للمالك، ثم أصبحت الضريبتان رمزا لخضوع شعب لآخر بحق الفتح .

يمكن القول بأن الضرائب في النظام الضريبي خلال عصر خلافة عمر بن الخطاب كانت تؤخذ مرة واحدة في السنة، هذا دون أن يكون هناك حد أدنى لأخذها في البلدان العربية بحسب عبد العزيز الدوري.

المحور الثالث: نظام الضرائب في العصر الأموي

لقد تطورت الصناعات في العصور الإسلامية المتعاقبة تطورا سريعا، فعرفت في العصر الأموي مصانع خاصة متنوعة. كما أنه من الظواهر التي ظهرت في الحياة الاقتصادية على عهد بني أمية أن القطائع قد كثرت وتنوعت، وأمست الأراضي الزراعية ملكا أو كالملك لبعض الأشخاص والأسر بعد أن كانت قبل ذلك ملكا للدولة أيام الفتوحات .
وبحسب عبد العزيز الدوري فلقد تغيرت طرق تنظيمات الضرائب بتغير السيرورة الاقتصادية المنظمة للبلدان الإسلامية (التحولات الاقتصادية في مجال الصناعة بظهور مصانع جديدة و تمليك الأراضي وتطور ووسائل التجارة)، كلها شكلت دافعا لتحيين نظام الضرائب كضريبة المكوس نموذجا بمصر .

المحور الرابع: نظام الضرائب في العصر العباسي الأول

اهتم العباسيون بجباية الخراج وتنظيمه، وبان اهتمامهم به لأول مرة في خرسان . وهنا أكد عبد العزيز الدوري على ظهور ضرائب جديدة كضرائب بعض كبار أهل الضياع والدهاقين الذين عقد أجدادهم عقودا خاصة مع العرب عند الفتح ويدفعون بموجبها مقدارا معينا من الخراج لا يتغير، وكان ذلك بصورة خاصة في فارس وخرسان . كما أن شروط الجزية التي يذكرها الفقهاء كانت متبعة (نظريا) لدى الخلفاء، ولكن جباية الجزية لدى العباسيين كانت تترك غالبا إلى العمال فيسيئون التصرف ويعسفون بالرعية . بالإضافة إلى ذلك نجد الصدقات التي تجبى على المواشي حسب الأسس التي شرحها الفقهاء وغيرها من الضرائب.

الفصل الثالث: النظم الإدارية

لقد تطرق عبد العزيز الدوري في هذا الفصل كما يتضح في عنوانه إلى النظم الإدارية والتي قسمها إلى فرعيين وهما نظم الديوان ونظم الوزارة باعتبارهما أساسيان في نظم الدولة الإسلامية.

المحور الأول: نظم الدواوين

1-الديوان خلال عهد خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

لقد كانت بداية الدواوين مع خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك نتيجة حاجة العرب إلى تنظيم عسكري وإداري ومالي، ويرجع أيضا السبب إلى كثرة الأموال الواردة إلى الدولة الإسلامية، ورغبة الخليفة عمر بن الخطاب في تنظيمها توزيعها بشكل عادل، ويشير إلى قول البلاذري أن أبا هريرة قدم من البحرين ومعه خمسمائة ألف درهم فاستعظمها الخليفة، ثم صعد المنبر وقال للناس: ” أنه قدم علينا مال كثير فإن شئتم نعده لكم عدا…فقال الرجل يا أمير المؤمنين إني قد رأيت هؤلاء القوم (الأعاجم) يدونون ديوانا يعطون الناس عليه، فدون الديوان” . وهذا الديوان كان في بدايته بسيطا ومهامه محدودة، ثم نمت واعددت وتفرعت حسب تطور الضرورات والأحوال، وذلك ما سنلاحظه بعد الخلافة الراشدية وبداية الخلافة الأموية حتى الخلافة العباسية.

يشير عبد العزيز الدوري إلى أن هذه الدواوين تحتاج في دراستها التمييز بين الدواوين المركزية والدواوين المحلية في الأقطار والأمصار. فالملحية هي التي كانت سائدة وتعتمد على مختلف الصفات حسب المنطقة ولغتها عربية، لكن خلال الخلافة الأموية ستتحول إلى دواوين مركزية تابعة للإدارة المركزية في الشام وبعد ذلك تم تعريب الديوان في عهد عبد الملك بن مروان ، وتطورت المهام حتى عهد الخلافة العباسية التي سيصبح الوزير هو من يترأس الدواوين بمختلف مهامها.

وبعد إنشاء الديوان خلال عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام بتقسيم الأموال، فخصص للمقاتلة رواتب وأعطيات من بيت المال ليكفيهم مؤونة العمل، وأن يحفظ سجلت بأسماء المحاربين وأهلهم، وكذلك خصص لبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قدرا من المال، وأيضا باقي المسلمين حسب المشاركة في الغزوات و المعارك التي خاضوها. كانت هذه أهم الأسباب التي يشير إليها عبد العزيز الدوري ضمن كتابه على أنها السبب الفعلي الذي أدى إلى ظهور الدواوين . لكن في موضع آخر بين أن المؤرخين اختلفوا في السبب الفعلي الذي أدى إلى فكرة إنشاء الديوان، إذ يناسبها البعض إلى الفرس والبعض الآخر إلى الروم، لكنه يتجاوز هذا الخلاف بقوله: ” وكلها تشير إلى الشعور بضرورة التنظيم وذلك سبب في الشروع بإنشاء الديوان” . فإن التدوين بالديوان وكلف شخص بهذا الأمر وعلى نهجه تم إعطاء الأموال لأصحابها.
وبالتالي في هذا الجزء حاول عبد العزيز اقتباس أهم المعلومات من مختلف المصادر الإسلامية لتوضيح السبب الفعلي في إنشاء الديوان، والمهام التي كلفت له خاصة خلال عهد الخلافة الراشدية، وعلى الخصوص في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيما سيتطرق إلى مسار تطور الديوان إلى السجل، وأيضا المكان الذي يحفظ فيه السجل، وتطوراته خلال الخلافة الأموية والعباسية.

2-الدواوين في عهد الأمويين

بعد مقدم الأمويين واتخاذهم لدمشق عاصمة، وتوسعت البلاد والأعمال واعددت الحاجات بتطور الأحوال فأدى هذا إلى تطور الدواوين وتعدد الحاجة التي تتطلبها الدولة، فظهرت دواوين جديدة على عكس الديوان الذي أنشأه عمر بن الخطاب، فمن هنا يبين عبد العزيز الدوري أن الأسس العامة الخاصة بالدواوين ستنشئ في الخلافة الأموية، ومن الدواوين الجديدة التي ظهر خلال هذه الفترة :

• ديوان الخراج: وهو من أهم الدواوين ويتولى تنظيم الخراج وجبايته والنظر في مشكلاته وهو عماد المالية.
• ديوان الجند: وهو ديوان بقي على الأساس الذي وضعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقيه يحفظ أسماء الجند وأوصافهم وأنسابهم وأعطياتهم.
• ديوان الخاتم: وكان معاوية هو أول من أنشأه على إثر تزوير وقع في رسالة إلى زياد أمر فيها بإعطاء حاملها مئة ألف فيدل حاملها النصيب إلى مئتي ألف، وفي هذا الديوان تحفظ نسخة من رسائل الخليفة وأوامره بعد أن تختم النسخة الأصلية بالشمع وتحزن.
• ديوان الرسائل: ويقوم بتحرير رسائل الخليفة وأوامره في الداخل والخارج.
• ديوان البريد: ومهمته نقل الأخبار والرسائل بين العاصمة والولايات أو بين الولايات.
• ديوان النفقات: وينظر في كل ما ينفق ويخرج في الجيش أو غيره، أي ينظر لي المصروفات كافة.
• ديوان الصدقة: وينظر في موارد الزكاة والصدقات وفي توزيعها بين المستحقين.
• ديوان المستغلات: وينظر في إدارة أموال الدولة غير منقولة من أبنية وحوانيت.
• ديوان الطراز: ومهمته الإشراف على المصانع التي تنسج الملابس الرسمية والشارات والأعلام.

وارتباطا بذلك كان عبد العزيز الدوري يحاول أن يبين مدى تطور الديوان ونظامها داخل الدولة الأموية، بل وصل الأمر أن تم تعريب الديوان خلال عهد عبد الملك بن مروان، وبالتالي يؤكد أنهم بالفعل وضعوا الركائز الأساسية لتطور وهي الركائز التي سيعتمد عليها العباسيون.

3-الدواوين خلال عهد العباسيين

وفي هذا الجزء يوضح أن العباسيين ورثوا ما خلفه الأمويين خاصة فيما يتعلق بالديوان ونظم التسيير، لكنهم أضافوا إليه الكثير وزادوا في المركزية ولا سيما بعد إحداث منصب الوزارة. أحدث دواوين جديدة، ووسعوا سلطة الوزير لتشكل الإشراف على جميع الدواوين.

ففي عهد أبي العباس حدث تنظيم في سجلات بأن جمعت في دفاتر بدل أن تكون في صحف متفرقة وذلك تفاديا للضياع، ولما صادر أبو العباس أملاك بني أمية وضياعهم أنشأ ديوانا خاصا لإدارته. وأحدث المنصور ديوانا مؤقتا تسجل فيه أموال من صودرت أموالهم مع مقدار ما صودرت عليه، وهو ديوان المصادرة. وفي عهد المهدي الذي عرفت فترة حكمه هدوء نسبي فتوطدت فيه تنظيمات الدواوين، و بذلك تم إحداث ديوان الأزمة سنة 162ه‍ ومهمته الإشراف على أعمال الدواوين الكبيرة، ومراقبة الناحية المالية، ثم أنشأ ديوانا جديدا للنظر في شكوى الرعية من الولاة، ونظم أيضا أوقات العمل بالنسبة للكتاب في الدواوين وعطاهم. وفي خلافة هارون الرشيد نجد إشارة إلى ديوان خاص يسمى ديوان الصوفي ومهمته النظر في أمور الأراضي التابعة للخليفة بصفته رئيسا للمسلمين، ثم ديوان الضياع وينظر في إدارة ضياع الخليفة الخاصة وضياع أسرته. وفي زمن المأمون نجد إشارة إلى ديوان الجهبذة وكان شعبة من بيت المال ومهمته التدقيق في حسابات بيت المال وتدقيق نوعية موارده . وأيضا قسم عدد الكتاب ومنهم كتاب الخراج، وكاتب أحكام، ومعونة، وجيش، ورسائل . وكانت هذه لمحة مبسطة عن تطور الديوان خلال عهد العباسيين وما قاموا باستحداثه.

على العموم فقد حاول عبد العزيز الدوري في هذا الفرع من نظم الإدارة الإسلامية ألا وهو نظم الدواوين بمسايرة مراحل تطوره من عهد عمر بن الخطاب إلى عهد العباسيين، حيث سيظهر نظام الوزارة لأول مرة والذي يشرف على كافة الدواوين. على الرغم من أن أغلب المعلومات اقتبسها من مصادر إسلامية، ما ينفعنا للقول أنه حاول جمع هذه المعلومات في كتاب واحد دون أن يضيف أي شيء من دراسته ولو انتقادا لإحدى المعلومات، ولكنه اقتبسها كما هي وعبر عنها بتعبيره وهذا ما لاحظناه في هذا الجزء.

المحور الثاني: نظم الوزارة

تحدث عبد العزيز الدوري في هذا المحور على أن الوزارة لم تظهر إلا مع الدولة العباسية، رغم أن مهام الوزارة كانت سائدة لكن ليس بمصطلح الوزارة ويستشهد بذلك القلقشندي والمسعودي . وخلال العصر العباسي ظهر هذا المنصب ويستشهد في ذلك بقول الجهشياري في كتابه الوزراء والكتاب حيث يتكلم “على أن الوزير تم تعيينه يرأس من الخرسانيين أنصار العباسيين” ، فالوزير كان يرأس الإدارة المركزية ومستشار الخليفة وهو في الأصل قائد الحرس، ومعونة الوزير في سياسة الدولة ويستذل في ذلك على قول أحد المستشرقين كرينستن خلال كتابه l’Iran sous les sassanides والذي يعترف بأن معلوماتنا الأولية عن سلطات الوزير الساساني ضئيلة، ويبين أنها لا تقتصر على توجيه الدولة بإشراف الملك لكونه يخلف الملك في أوقات غيابه إما عن سفر أو حرب، و بذلك يعتقد كرينستن أن نظام الوزارة مقتبس من الساسانيين؛ لكن عبد العزيز الدوري لا يتفق مع ذلك مع حجة أن خطة الفقهاء في وضع الخلافة الإسلامية بدأ مبهما ثم تطور تدريجيا وكذلك حال الوزارة ، وبهذا ينتقل للحديث عن تطور الوزارة. فالوزارة كما أشرنا منصب ظهر خلال العصر العباسي بشكل بسيط متأثر بآراء أعوانهم الفرس من جهة، وسائرين على أثر التنظيمات الأموية من جهة أخرى، لذلك نجد المسعودي يضع الوزير العباسي محل الكاتب الأموي ولم يكن في بدايته سوى مشاور متنفذ بحكم ضرورته ولم تكن كل الدواوين تحت حكمه وإنما ديوان مهمات هما الخرج والجند، لكن لما انتهت خلافة أبي العباس بين وزير وكاتب ، وجاء المنصور فوضع كيان للوزير وجعله ضئيلا معه لا يتعدى عمله في التنفيذ وإبداء المشورة متى طلبت منه، وستمر على هذا الأمر إلى حين بدأ يستعين أيضا بالكاتب يكتب دواوينه، فصارت خلافته أيضا بين وزير وكاتب مرة أخرى. أما في زمن المهدي وكان زمن الاستقرار السياسي والاداري فظهرت أبهة الوزارة . وبالتالي نلاحظ أن الوزارة رسخت أساسها واتسعت سلطاتها حتى صارت عامة على دواوين كافة.

ثالثاً: قراءة نقدية في الكتاب

• يعد كتاب النظم الإسلامية لعبد العزيز الدوري مرجعاً مهما لا غنى عنه من حيث الأفكار والمعلومات التي أوردها.
• يعتمد منهج عبد العزيز الدوري في تدوين التاريخ بالرجوع إلى المصادر الأصلية ومحاكمتها محاكمة منطقية، واستخلاص الحقائق التاريخية منها.
• الكتاب لم يعالج كل الأنظمة الإسلامية سيما الإدارية أي ما يتعلق بالقضاء مثلا.
• إغفال الكاتب إدراج خاتمة لكتابه والتي ستمكن القارئ من فهم أهم الاستنتاجات والخلاصات التي خرج بها عبد العزيز الدوري من خلال دراسته للنظم الإسلامية.
• نستشف من خلال ما سبق أن عبد العزيز الدوري في بعض محطات كتابه كان يرد على الكتابات الاستشراقية بالقول أن المصادر لا تزال تحتفظ على التاريخ الاسلامي منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى حين فترة العباسيين، حتى أن عبد العزيز الدوري لم يضف شيئا جديدا من معلومات، وانما كرر كل ما ورد في المصادر باعتماده على مصادر مختلف مثل البلاذري والمسعودي والطبري. (هذه هي مهمة المؤرخ أن ينهل من المصادر، واذا تطلب الأمر فيقارن ويطرح استنتاجات وتساؤلات، أو يكتفي بما اقتبس ويكون السبب في الغالب هو عدم تحمل تلك الاقتباسات للمزيد من الشرح والحشو والاستنتاج، فهي واضحة، وكل ما يستوجب منه هو تنظيمها وتصنيفها ليسهل على المتتبع الاستفادة منها، وهذا ما قام به الدوري في هذا العمل المؤسس لدراسة النظم الإسلامية، فبواسطته وطع البنات الأولى لاهتمام بتاريخ الإسلام ونظمه ومؤسساته)، ما يدفعنا لتساؤل عن سبب هذا التكرار؟ لكن الإجابة واضحة ان المرحلة التي عاش فيها الدوري اي فترة الأربعينيات من القرن الماضي حيث فترة عرفت تدخلات في تاريخ الاسلام من طرف المستشرقين من خلال كتاباتهم التاريخية، وأضاف لنا عبد العزيز الدوري مثلا على إحدى كتابات أحد المستشرقين هو كرينستن، بالإضافة إلى البعض الآخر ورد في القائمة البيبليوغرافيا. ونضيف أن جل كتابات عبد العزيز الدوري كانت تحدو في هذا الحدو كلها تتحدث عن تاريخ الإسلام وذلك ما أشرنا له خلال تعريفنا للكاتب.

خاتمة

نخلص من خلال قراءتنا لكتاب النظم الإسلامية لعبد العزيز الدوري مجموعة من الاستنتاجات ولعل أبرزها:
أن النظم الإسلاميّة لم تنشأ كلها بعد ظهور الإسلام، ولم تنضج في فترات قصيرة، بل ترجع أصول البعض منها إلى تلك التقاليد السائدة لدى العرب الجاهلية ولدى الدولة الساسانية والبيزنطية.
فالجاهلية العربية عرفت أنظمة وتقاليد اجتماعية استقى الإسلام منها بعدما أصلحها وهذبها فأصبحت من منابع نظمه. ولما عمّت فتوحات العرب وامتدت شرقاً وغرباً اكتسبوا من ثقافة الغير وأفادوا من النظم الساسانية والبيزنطية في الشؤون الإدارية والمالية خاصةً.

وما يسترعي الباحث في هذا الشأن أنّ المبادئ الإسلامية والعبقرية العربية تضافرت على تهذيب هذه الأصول وتكييفها ثم طبعها بطابع إسلامي، كما اضطروا إلى وضع أنظمة جديدة تلائم حاجات القوم مثل مؤسسة الخلافة والقضاء. ومع مرور الزّمن اقتضت الأوضاع إنشاء مؤسسات جديدة كالصيرفة والمال فتوسعت وتشعبت بفضل التطور الحضري والفكري وشرع النموّ يأخذ بُعداً لم يسبق له نظير. كما أنها كانت دائم التطور بتطور الحياة المعاشية السائدة بهذه الدول الاسلامية المتعاقبة على حكم المسلمين.

قراءة في كتاب عبد العزيز الدوري “النظم الاسلامية”

زكرياء العمراني

طالب باحث في التاريخ الوسيط سلك الماستر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.