بحث عن سراب مفقود

ما أحلى ديمومة الحياة عندما تتدحرج عربتها التي نمتطيها على الرغم من اختلاف أطيافنا وألواننا وألسنتنا حينما يكون مسيرها رغدا هنيئا ينعش آمال كل ركابها، يجعلهم في غنى عن سؤال التهديد والمخاطرة، بل ويؤمن أحوالهم على متن هذه الرحلة كلما سنح ظرف طارئ ليعكر طمأنينة اللحظة ويكسرها. وما أمرَّ تلك اللحظات أيضا عندما تساق بتأثيرنا لأنساق مستحدثة لاإنسانية إن شئنا القول، تخفض سقف غاياتنا وتقلص حدود سعادتنا.

لقد صارت لحظاتنا اليوم لا تخرج عن دائرة المألوف، بل واقتحمت رتابته نحو شراهة الاستهلاك من أجل الاستهلاك دون معنى، وأضحت أوجاع هذا الاستحداث المزعوم تضعنا في ورطة الوقوع داخل حفرة لانهاية لعمقها، حتى صرنا نخلق أشكالا نقاوم بها هذا الخطر المحدق بنا، ونبحث جادين عن الخلاص والتسلق من غياهب ظلامها للخروج ناجين في أسرع حيز زمني، لكننا نتخبط فقط، ومن دون جدوى.

إن ثواني حضورنا مزجناها بالبحث المؤلم عن اهتمام الآخرين كعامل دفاعي آخر، حتى صار الفرد أحيانا مهووسا بالظهور، بإبراز أناه فوق الجميع لكسب مكان داخل رقعة تواجد الآخرين، وتحول البعض منا نحو الدفع بنفسه للغوص في بِرك من الأوحال إن اقتضت الضرورة لتحقيق ذلك، وصارت وصاية كل منا على نفسه أن يعهدها بتقوية حظوظ فوزه باهتمام العالم.

لقد صار كل منا ينتهز فرص نيل طرق مشروعة كانت أو محظورة ليظهر بها ويسلك بها ويحيى بها. لقد تحولنا إلى أشبه بنازحين دون وطن يتوقون للبحث عن مجدهم المفقود، عن أمجاد وقصص ومرويات نجعلها ديدن ألسننا لحظة مواجهة الآخر، أو تكون محل سرديات تحكى وراء ظهورنا وتخلف لدى الآخر انبهارا وإعجابا ممزوجا بنترات من الأسى والشفقة.

لقد تحول همّ الإنسان الذي يستفيق وينام عليه هو أن يرسم بريشته التي يفضل، وبالألوان التي يستريح لها أن يرسم تشكيله الخاص الذي يرغب منا أن نستوعبه ونكونه عنه، يريد أن يجعلنا نفطن لامتزاج لوحته حتى نعي من يكون.

من جهة أخرى، حاول هذا الفرد أيضا بكل محاولاته للنسيان أن يغترف بنشوة من إناء السيطرة والانفصال، سيطرته تجاه العالم الرقمي والانفصال عن حقيقة وجودنا. صارت لفظة “السر” داخل هذا العالم الرقمي تحيط بهالتها عن كل غريب، وجعلنا هذا السر كما يقول “زيجمونت باومان” إما بضاعة معروفة للبيع أو سلعة تجارية أو كلمة مرور نحو نجاح عابر لحظي، أو نقطة ضعف تعبر عن نقيصة على المرء أن يخفيها، ومن ثم التعرض للابتزاز والتهديد بالفضيحة وسلب ما تبقى من شذرات كرامة واستقلال، فلم يعد للناس أسرار بالمعنى الكلاسيكي القديم، بل ولم يعد للناس أن يفهموا ما يمكن أن تعنيه هذه الكلمة.

لقد صار السر في عالم المرئيات والتكنولوجيا وما يعززه من شروط تقنية متطورة تحيط بنا من كل جانب (الميتافيرس، اللايفات…)، صار عبارة عن تخلف وركود، وأصبح مقياس الظهور المفرط بأكثر السبل الممكنة والوسائل المساعدة معيارا اقتصاديا لقيمة الفرد في بورصة المعاملات والعلاقات الإنسانية، وتحولت قوة الفرد العلائقية تتحدد بمقدار إبراز علانيته أمام الكل، وبحجم تشهير وجوده جهرا لا سرا.

إن تواجدنا أضحى أشبه بوجودنا في لعبة تظاهر قسري، حيث يعي جميع اللاعبين بمشاركتهم في ألاعيب الافتراء الكاذب، فالأدوار تعطى جوائزها لمن تمرس في ميدان اللعبة بأكبر قدر من الانكشاف والوضوح الخادع، فيما الإقصاء والخروج من نصيب المتنحين عن الأضواء الكاشفة لهذه اللعبة. إن هم الفرد كما أسلفنا الذكر تحول إلى نسج صورته عن العالم من خلال إضفاء العامية على تجاربه ما أمكن له ذلك، صورة لم يرد أن يكتب لها القبوع خلف رداءات الكواليس المظلمة، بل عمل جاهدا على أن يرسم صورته المشرقة البراقة أمام أعين المنتظرين ولو كانت تخفي خلفها إحساسا عكرا ممزوجا بعدم الأمان والشك.

من هذا لم يبق لهذا المتظاهر شيئا سوى خيانة جوهره وتكليفه عسرا سينهك من قواه مستقبلا، وحول أجهزة استشعاراته نحو الوجهة التي لن تجني عليه أثناء مسيره سوى الاصطدام بالعراقيل والحواجز الخفية في هذه الظلمة، ولن يزيد هذا الواقع سوى عما صوره لنا الروسي “ليون شيستوف” في حكمته الوازنة حين قال: “إننا في غاية الفقر والضعف، وما أسهل تدميرنا والقضاء علينا..! إننا نرى الخطر، ولا نرى غيره”.

بحث عن سراب مفقود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.