مسار العلاقات المغربية-الجزائرية (ج1)

من مجابهة الاستعمار إلى قطع العلاقات

طالما اتسمت العلاقات المغربية-الجزائرية منذ عقود بالشد والجدب منذ سنة 1963 الشاهدة على حرب الرمال التي قامت بين الجيشين المغربي والجزائري، لتأخذ الأزمة فيما بعد منحى آخر، وذلك بانتقالها من توتر الأنظمة السياسية إلى أزمة مست أحيانا مسار العلاقات بين الشعبين الشقيقين، وهو ما عاد إلى الواجهة مؤخرا بعد إعلان الجزائر عن قرارها “أحادي الطرف” بقطع العلاقات مع المغرب، ومن ثمة سحب سفرائها لدى المملكة، ومنع الطائرات المغربية من التحليق فوق المجال الجوي الجزائري، مما زاد الأمور تعقيدا، وصدّر الأزمة خارج حدود البلدين لتمس بمصلحة المنطقة المغاربية ككل، وتؤجل من جديد حلم بناء اتحاد المغرب الكبير.
ولا شك في أن الأوضاع التي آلت إليها العلاقات بين البلدين لم تخلق من عدم، بل سبقتها مجموعة من المحطات التي عمقت الأزمة بين النظامين، وعبدت الطريق نحو قطع العلاقات بشكل كلي، وهو ما يدفعنا نحو التساؤل عن ماهية الخلاف الذي غير مسار العلاقات من نضال تحريري مشترك ضد المستعمر، إلى صراع خفي وتأزم في الأوضاع بين الجارتين أغلقت على إثره الحدود البرية بين البلدين عام 1994، تلاه قطع كلي للعلاقات أواخر سنة 2021.
يستعرض هذا المقال أبرز المحطات التي مرت عبرها العلاقات المغربية-الجزائرية، وذلك عبر دراسة مختلف المتغيرات التي ساهمت في تفاقم حدة الأزمة بالرغم من المحاولات والجهود المبذولة لتسويتها.

النضال المشترك وانطلاق الثورة الجزائرية:

يقول المؤرخ الفرنسي أندري جوليان : ”إن تونس والمغرب والجزائر مجتمعة تؤلف وحدة جغرافية مستقلة عن باقي أجزاء القارة، حتى أنها عرفت باسم إفريقيا الصغرى تمييزا لها عن بقية أجزاء القارة، وذلك لارتباطها منذ أقدم العصور بروابط إقليمية طبيعية وسياسية لغوية خاصة ووثيقة“ .
إن ما جمع بين هذه الدول الثلاث، خاصة في فترة الاحتلال، هو أكثر من مجرد عامل قرب استراتيجي وتقارب في اللغة والدين والثقافة، إنما وحد بينها النضال وهاجس الخلاص من قبضة المستعمر الفرنسي الذي حاول جاهدا طمس معالم الهوية المغاربية، والمساس بالوحدة العربية والإسلامية لهذه الشعوب التي أدركت بأنه لا سبيل إلى الخلاص من بطش الاستعمار سوى بالتلاحم، وهو ما جسدته العلاقات المغربية-الجزائرية التي عرفت خلال تلك الفترة تعاونا وائتلافا غير مسبوق، وهو ما أثاره المقاوم المغربي “علال الفاسي” في كتابه “الحركات الاستقلالية في المغرب العربي” حيث قال: ”إن من أكبر المظاهر لرغبة أبناء تونس والمغرب والجزائر الشقيق في بناء المغرب العربي وتحرير أوطانهم توحدهم في اللغة والدين والجنس والتاريخ والأرض ووحدة المستعمر والآمال في التحرر منه“ .
ولعل أبرز مثال على هذا التآلف هو ما شهدته الثورة والمقاومة الجزائرية إبان الاستعمار الفرنسي من مساندة ودعم مغربيين ضد المستعمر في عهد الملك الراحل “محمد الخامس“، الذي عرف بدعمه الشديد للثورة الجزائرية، فعلى الرغم من استقلال المغرب، غير أنه اعتبره استقلالا ناقصا في ظل الاضطهاد الذي كانت تعاني منه الجزائر آنذاك.
إن اندلاع ثورة التحرير الجزائرية في فاتح نونبر 1954 ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر سنة 1830، والذي دام لعشرة عقود، أكد بشكل أكبر على معالم الترابط والتعاضد بين المغرب والجزائر، فبالإضافة إلى التضامن الشعبي الواسع الذي لقته ثورة التحرير الجزائرية في المغرب من مشاركة للمغاربة في الحرب الجزائرية، ودعوة الاتحاد العام لعمال المغرب إلى مقاطعة السلع الفرنسية تعبيرا عن الرفض القاطع لكل الانتهاكات الممارسة في حق الجزائريين ، ندد “محمد الخامس” بمعاناة شعوب المغرب العربي مع الاستعمار، وبالسياسات العدائية الممارسة عليها من قبل السلطات الفرنسية، وخص بالذكر معاناة الشعب الجزائري، حيث أعرب عن دعمه العلني للثورة الجزائرية، ورفضه للسياسة الفرنسية في الجزائر، وهو ما اعتبرته فرنسا مساسا بسيادتها، خاصة وأنها راهنت على دعم المغرب لها في ضمها للجزائر.
لقد آمن المغرب بعدالة ومشروعية الثورة الجزائرية، فتعددت وسائل دعمه لها، منها تدعيم العاهل المغربي محمد الخامس للثورة بالسلاح، وذلك بسماحه بمرور الأسلحة بالأراضي المغربية وتسهيل عمليات إيصالها إلى الجزائر، ووضعه حوالي 500 متطوع مغربي تحت تصرف جيش التحرير الجزائري وإشراكهم في الحرب إلى جانب الثوار الجزائريين، واستقباله قادة الثورة الجزائرية والمجاهدين والسياسيين الجزائريين بالمغرب، والأهم من ذلك كله، اعتباره استقرار المنطقة المغاربية رهينا باستقرار الأوضاع في الجزائر، وبالاعتراف لشعبها بالسيادة، وهو ما جاء على لسانه في “خطاب وجدة” الذي ألقاه في الخامس عشر من دجنبر عام 1956 حيث قال: ”إننا نود وضع حد لحرب الجزائر التي يذهب ضحيتها يوميا آلاف الأبرياء من أبناء هذا الشعب الأبي، وفي أسرع وقت“ ، وهو ما تجسد أيضا في دعوة المغرب الأمم المتحدة لوضع حد للمجازر المرتكبة في حق الشعب الجزائري، وتأكيده على موقفه الرافض للطرح الفرنسي القائل باعتبار الجزائر جزءا من الأراضي الفرنسية.
استمرت ثورة التحرير الجزائرية لسبع سنوات ونصف من النضال والكفاح المسلح، استشهد فيها أكثر من مليون ونصف مليون مواطن جزائري، واستمر معها دعم المغرب المادي والمعنوي للثورة إلى حين نيل الجزائر استقلالها في الخامس من يوليوز عام 1962.

خلاف بسبب الحدود:

يرجع مشكل الحدود بين المغرب والجزائر إلى عهد الاستعمار الفرنسي، فبعدما قامت فرنسا بضم منطقتي “بشار” و”تندوف” للجزائر، طالب المغرب باسترجاع المنطقتين، لأن المغرب كان يرى بأنهما جزء من أراضيه التاريخية، وهو ما قابلته فرنسا بالتجاهل ولم تعره اهتماما.
بعد ذلك، اقترحت فرنسا على المغرب بدأ المفاوضات لحل مشكل الحدود سنة 1957، وعرضت عليه استعادة سيطرته على المنطقتين مقابل وقف دعمه لثورة الجزائر، وهو ما قابله السلطان محمد بن يوسف بالرفض، وأبى أن تكون فرنسا جزءا من عملية التفاوض، ذلك أنه ليست لفرنسا الشرعية في التفاوض ما دامت الأرض جزائرية، مؤكدا على أن التفاوض سيكون مع الجزائر لوحدها، وأن مشكل الحدود سيحل بعد نيل الجزائر استقلالها.
وفي السادس من يوليوز 1961، أبرم المغرب اتفاقية مع رئيس الحكومة المؤقتة للجزائر آنذاك “فرحات عباس” تقر بوجود مشكل حدودي بين البلدين، على أن تتم تسويته بعد استقلال الجزائر.
بعد استقلال الجزائر بسنة واحدة، نظم الملك الحسن الثاني أول زيارة رسمية إلى الجزائر سنة 1963 للتفاوض مع “أحمد بن بلة” بشأن ترسيم الحدود، وذلك بموجب اتفاقية 6 يوليوز 1961 الموقعة بين البلدين، والتي تقتضي تسوية مشكل الحدود بعد الاستقلال، غير أن جواب “أحمد بن بلة” أخد بعدا ديبلوماسيا، فطلب تأجيل المفاوضات إلى حين استكمال بلاده بناء مؤسساتها الدستورية.

38737529_401

اندلاع حرب الرمال:

إن تمرد “أحمد بن بلة” مدعوما بجيش التحرير الوطني على مقتضيات الاتفاقية، ورفضه التفاوض مع المغرب لحل مشكل الحدود استنادا إلى مبدأ “احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار”، كان الانطلاق الفعلي للأزمة، فتصاعدت بعد ذلك الأحداث، ودَقَّ البَلَدَانِ ناقوسَ الحرب.
بعد عدة مناوشات على الحدود بين المغرب والجزائر، اندلعت حرب الرمال في أكتوبر 1963، سميت كذلك لأنها قامت في الصحراء ضواحي منطقتي “تندوف” و”حاسي البيضاء”، وامتدت إلى “فݣيݣ” (شرق المغرب) .
لقد شكلت الحرب بين المغرب والجزائر أرضا خصبة للتدخل الأجنبي، فتدخل الاتحاد السوفياتي وكوبا ومصر لتدعيم الجزائر عسكريا في حربها ضد المغرب، ذلك أن رئيس مصر آنذاك “جمال عبد الناصر” كان معروفا بمعارضته للأنظمة الملكية، وكان يعتبرها أنظمة رجعية، فكان يدعم الثائرين عليها، ويدعم الأنظمة التي لها نفس مرجعيته، والمعادية لدول الغرب، خاصة وأن المغرب كان مدعوما من قبل فرنسا، كما أن دعم فرنسا للمغرب في هذه الحرب، وإن لم يكن مباشرا، إلا أنه لم يكن مجانيا أيضا، فلا يمكن لدولة مستعمرة أن تصبح صديقة بين عشية وضحاها، وهو ما يختزله “محمد بوضياف”، أحد قادة الثورة الجزائرية ورابع رئيس للجزائر، بقوله: ”أعداؤنا بالأمس هم أنفسهم أعداؤنا اليوم“، ذلك أن فرنسا كانت المستفيد الأكبر من العداء والحرب بين الجارتين، ومن مصلحتها انعزال المغرب عن الجزائر.
من ناحية أخرى، تعددت الوساطات التي حاولت فض النزاع، وبالرغم من كثر الجهود المبذولة لحل هذه الأزمة، غير أن الحرب بقيت مستمرة بين البلدين لأيام معدودة قبل أن تتوقف في الخامس من نونبر 1963، وذلك بعدما دخلت جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية على الخط، ونجحت أخيرا في توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 20 فبراير 1964، وقع عليها كل من “الحسن الثاني” و”أحمد بن بلة” .
بالرغم من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وانتهاء الحرب، إلا أنها خلفت تداعيات على العلاقة الثنائية للبلدين، ومنذ ذلك الحين والعلاقة بين البلدين “الشقيقين” تعرف فتورا وتوترا لم ينتهي حتى بعد تغير رئيس الجزائر، وتنصيب “هواري بومدين” خلافا له بعدما قاد انقلابا عسكريا على نظام “أحمد بن بلة” سنة 1965.

المراجع:
1- إدريس الرشيد، كيان المغرب العربي وآفاقه، أشغال مؤتمر بناء المغرب العربي بتونس 19_24 أكتوبر 1981، الجامعة التونسية، المطبعة العصرية، تونس، 1983، ص43
2- علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، مؤسسة علال الفاسي، مطبعة النجاح الجديدة، ط6، المغرب، 2003، ص407
3- مريم صغير، البعد الإفريقي للقضية الجزائرية 1955-1962، دار السبيل للنشر والتوزيع،ط1، بن عكنون-الجزائر، 2009، ص20
4- رياض بوزرب، النزاع في الع
لاقات الجزائرية المغربية 1963-1988، مذكرة ماجستير، جامعة منتوري، قسنطينة، 2008، ص56
5- طاهر زبيري، نصف قرن من الكفاح، مذكرات قائد أركان جزائري، الجزائر، الشروق،2011، ص2
6- محمد بوعشة، الدبلوماسية الجزائرية وصراع القوى الصغرى في القرن الإفريقي وإدارة الحرب الإثيوبية-الارترية، دار الجبل، لبنان، 2004، ص86
.

مسار العلاقات المغربية-الجزائرية (ج1)

إكرام بورقادي

طالبة باحثة في سلك الماستر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.