العقلية الإستهلاكية المتوحشة

عن عصر السرعة

من أهم وأخطر المشكلات التي تواجه مجتمعنا ومعظم المجتمعات الحالية هي مشكلة العقلية الاستهلاكية، التي توغلت بداخل الجميع، الجميع أصبح مستهلكا. وليس الحديث فقط عن الدول النامية أو المستوردة للبضائع والخدمات، انما الحديث بالأخص عن العقلية الاستهلاكية التي انتشرت داخل عقول الأفراد حيث أصبح كل اعتمادهم على استهلاك المنتجات الجاهزة لانتشار الكسل بينهم.
أصبح الجميع يعتمد على الوجبات الجاهزة السريعة والأجهزة الحديثة وانتشرت تلك الآفة في جميع الفئات العمرية. مما يسبب مشاكل عدة من بينها:

أولا: ادمان الاستهلاك
فالرجل الذي تعود على الهاتف الذكي يجد نفسه عاجزا عن تحمل هاتفه اذا أصبح بطيئا قليلا أو يجد نفسه عاجزا عن الاستغناء عن برامج السوشيال ميديا ولو ليوم واحد.
والفتاة التي اعتادت تناول الوجبات السريعة مثل الإندومي أو البرجر تجد صعوبة في تحضير الفطور أو العشاء وليس الحديث حتى عن الغذاء الذي يتطلب مهارات عديدة ووقتا طويلا في تجهيزه.
الشاب الذي ما زال في مقتبل العمر لا يستطيع المشي لنصف ساعة ويفضل قطع كل مسافاته بالمواصلات بسبب الكسل أو الإسراف في تناول المشروبات الغازية.
ربة البيت التي اعتادت الانتهاء من جميع مهامها قبل صلاة الظهر أصبحت الآن تستيقظ في الواحدة ظهرا لتفكر فيما سوف تطبخ لينتهي بها الأمر بشراء وجبات جاهزة.
الكثير من المشاهد التي تنتشر بكثرة في معظم مجتمعات العالم وليس فقط في المجتمعات العربية.

ثانيا: الاسراف في الاستهلاك
فتجد ذلك الشاب الذي تحدثنا عنه لا يتوقف عن تصفح الأخبار في كل مجالات الحياة، ويشاهد آلاف الفيديوهات ويستمع لجميع الأراء عن كل المواضيع التافهة، ويشعر بخوف شديد من أن يتجاوزه خبر ما أو تريند جديد دون أن يعرف عنه شيئا ويشعر بتخلف شديد اذا وجد أقرانه يتحدثون عن موضوع شائع وهو لم يعرف عنه شيئا، وكأن الدنيا كلها قد فاتته، مئات وآلاف الساعات تضيع يوميا في متابعة أخبار المشاهير التافهة أو فلوجات رواد السوشل ميديا -مواقع التواصل الاجتماعي-، آلاف الساعات التي كان من الممكن أن تبني شابا ذا خبرة علمية وعملية وشخصية قوية، آلاف الساعات التي ربما خدمت البشرية بأكملها إذا تم تسخيرها في نشاط مفيد، آلاف الساعات التي من الممكن أن تساهم في تشكيل مجتمع أفضل.. آلاف الساعات التي سوف يسأل عنها الإنسان أمام ربه.. كلها ضاعت في التفاهات والأخبار التي لا قيمة لها.

كذلك تجد الفتاة التي تحدثنا عنها لم تتوقف عند استهلاك بعض الوجبات السريعة فقط ولكن هي تود أن تجربها جميعا وتنبهر كلما زاد مطعم ما حجم الساندويتش، من لارج إلى اكس لارج إلى سوبر، فالميجابرجر، وتود ان تخوض تجربة ان تمسك بساندويتش يبلغ طوله نصف متر وتلتهمه بشراهة كضبع يلتهم فريسته ولا يتوقف الأمر عند تلك التجربة فقط فهي تود أن تصبح عميلة مميزة في جميع المطاعم والمحلات فتجدها تتنقل من بازوكا إلى ستوماك إلى تشيكن فيلا إلى زاكس إلى ماكدونالدز إلى كنتاكي إلى بافلو برجر إلى برجر كينج والقائمة تطول…

lulkjghjfh
صورة تعبيرية

ليتضح لنا أن الأمر لا يتوقف فقط عند الاستهلاك وانما أصبح هناك شراهة في الاستهلاك وصلت الى ادمانه ومن ثم يبدأ الفرد في جعل بعض رفاهيات الحياة أساسيات بالنسبة له لا يستطيع الاستغناء عنها، مما يأخذه أميالا بعيدا عن الزهد، وكلما ارتبطت سعادته بأشياء تافهة وغير أساسية مما يسبب ضعف شديد في الشخصية، لك أن تتخيل أن هناك بشر يصابون بالاختناق الشديد لمجرد الابتعاد عن هاتفهم المحمول أو إنتهاء باقة الانترنت أو عدم امتلاك أموال كافية -ليس لشراء طعام لسد جوعهم- ولكن لشراء أطعمة محددة من مطاعم محددة، وكأنها الطامة الكبرى إذا تناول الإنسان طعامه من مطعم أخر.. والحقيقة انه كلما ابتعد الانسان عن الزهد كلما ابتعد عن الراحة النفسية التي تكون في عدم انتظار أي شئ او عدم الندم على فوات أي شئ.

ثالثا: إستهلاك الأفكار (الأمر الأخطر)
كل ما سبق يمثل مشاكل خطيرة للغاية إلا أنه يمكن معالجتها بالكثير من الجهود التربوية والإصلاحات السلوكية وإسداء النصائح ولكن الأمر الأخطر هو إستهلاك الأفكار إستهلاكا أعمى.
إعتياد الإستهلاك والإسراف فيه انتقل من الأشياء المادية إلى المعنويات، الأفكار أًصبحت تستهلك بشراهة أيضا دون التفكير في صحتها أو بطلانها.

لا يوجد إبداع أو انتاج في الأفكار حولنا، بالعكس ينتشر حولنا التقليد الأعمى سواء للنماذج القديمة أو الحديثة، وهنا تسود فكرة الإنبهار بالمنتصر.. الإنبهار بأفكار الطرف الأقوى ومحاولة تقليدها ظنا منا أنها الحل لجميع المشاكل، تقليد النماذج الخارجية دون فحصها للتأكد من ملائمتها لظروف الحالة الخاصة بنا..

للأسف تعودنا على استهلاك الأفكار الغربية بالذات والانبهار بها دون تفنيدها والتفكير في نتائجها على أنفسنا وعلى أسرنا وعلى مجتماعتنا.. وبالرغم من تصور بعض الأشخاص أنهم مبدعون ولكن الحقيقة أنهم متوهمون فهم قد وصلوا الى إستنتاجاتهم لأنه تم تغذيتهم بالعديد من الحقائق المغلوطة التي يتم تكرارها مئات من المرات بحيث تخلق بداخلهم الشعور بأن تلك الأراء هي أراءهم الخاصة، ولكن الحقيقة أنها أراء مفروضة عليهم فقد أصبحوا عاجزين عن التفكير المستقل والوصول إلي أحكامهم الخاصة.

الحقيقة أنه يتم تمرير الأفكار السامة لنا من خلال مثقفي العصر الوهميين، أو من خلال السوشيال ميديا أو الإعلام المضلل ويساعد على ذلك عدم وجود بنية ثقافية أًصيلة بداخلنا مما يجعلنا عاجزين عن التفكير المستقل وإنتاج حلول أصيلة لمشاكلنا.
حتى الأشخاص الذين يتخذون اتجاها مضادا يكون اتجاههم طفوليا وغير عقلاني، بل فقط هو اتجاه معكوس تماما وكأنك ترى نفس التخلف في الأراء ولكن بوضع إشارة سالبة، ويظن صاحبها أنه أطلق العنان لأفكاره ولكن الحقيقة أنه قام بفعل طفولي للغاية وهو اتخاذ الجانب الأخر المتطرف من الفكر كسبيل لمحاربة الجانب الأول، وكأن شخصا وجد شعبا كاملا يستحم بالماء المثلج في الشتاء فقرر أن يستحم بالماء المغلي، أو شخصا رأي كبار السن يقومون بالأعمال الشاقة بدنيا فقرر أن يوظف أطفالا بدلا من كبار السن، وكأن الحل الوسط قد اختفى من أمام أعين الناس جميعا أو كأن التفكير الحر قد اختفى من عالمنا ليحل محله التبعية العمياء أو الانحراف الطائش وفي كل الأحوال لا نرى في هذا أو ذاك أي نوع من أنواع الاستقلالية الفكرية أو الشجاعة العاقلة في التفكير .. اختفى التفكير الحر بداخلنا.
اعتدنا على الحلول الجاهزة واستيراد البضائع واستهلاك المنتجات والخدمات، طمسنا قدرتنا على الإنتاج بأنفسنا كما طمسنا تفكير عقولنا الحر.

وشخصيا أظن أننا نحتاج الى نشر ثقافة الاستغناء والإنتاج بين أفراد مجتمعنا ولو لفترات قليلة، فيحتاج الشاب إلى غلق برامج السوشيال ميديا ولو لأسبوع واحد ليرى كم يهدر من الوقت والمجهود، وكم من الفراغ يستهلك وكم من الانجازات التي تفوته وكم من رفاهيات الحياة أصبحت كالماء والهواء بالنسبة له.
وتحتاج تلك الفتاة إلى التوقف عن شراء أي منتج جاهز أو سريع التحضير ولو لأسبوع واحد، وتستمتع بتقطيع الطماطم وسلق اللحوم وتتبيل الطعام، واستنشاق رائحة كوب الشاي بعد مجهود طويل في المطبخ، وتتذوق طعم ما صنعته يداها حتى تعلم أن في التعب راحة، وأن في الشقاء نعيما وأن في كبد الدنيا سكينة وطمأنينة.

إدمان-الاستهلاك
إدمان الاستهلاك

نحتاج أن نبذل مجهودا بدنيا وعقليا أكبر حتي يرتاح ذهننا وتسكن نفوسنا، نحتاج الى الاستغناء عن الرفاهيات حتى نستطيع أن نستمتع بالقليل من أساسيات الحياة، ولا نحرم أنفسنا من معرفة وتقدير قيمة النعم البسيطة التي بين أيدينا
نحتاج أن نحرم أنفسنا بانفسنا حتى نتعلم الزهد، ونتعود علي الشقاء فلا نتدمر حين تأتي فترات الشقاء الحقيقية لأن الشقاء جزء أساسي في الحياة، نحتاج أن نزهد في أمور الدنيا فتتعلق قلوبنا بأمور الأخرة، نحتاج لأن نكون بدائيين، أن نغرس زرعة ونرعاها يوميا حتي تكبر أمام اعيننا بدلا من شراء الورود البلاستيكية بسبب كسلنا عن سقاية الزرع يوميا، أن نستيقظ صباحا لتنضيف شوارعنا ومن ثم تحضير فطورنا بأنفسنا أو الركض قليلا حتي نستمتع بكوب القهوة حين يأتي موعده ونحن نعلم أننا انجزنا شيئا اليوم يستحق ان نكافئ انفسنا عليه بكوب القهوة اللذيذ، نحتاج الى لم شمل الأسرة للاستماع الى حكايا البعض وقصص البعض الاخر واللعب وقراءة ما في أذهاننا ونقل خبراتنا لبعضنا البعض.
و الإنسحاب العاقل أو كما أدعوه الخطوة الهادئة للوراء لا تظهر فوائده فقط في الراحة النفسية التي نحصل عليها عندما نبتعد عن كمية المدخلات الهائلة التي تصيب رأسنا كل يوم أو عندما نرتاح قليلا من الصراع الإستهلاكي الذي يدور فيه الأفراد كما يدور الثور في ساقية الماء.

بل تظهر أيضا في السكينة التي تفتح أفاقا جديدة للعقل لكي يفكر بحرية واستقلال وتعقل بدون تبعية عبودية أو استقلال زائف، فالابتعاد عن المدخلات المهلكة والصخب الذي يشتت التفكير ولا يعطي للانسان أي فرصة للتفكر والتدبر في شؤونه و شؤون الكون من حوله، الابتعاد عن ذلك الصخب يعتبر انطلاقة جديدة لشجرة العقل والروح لتجديد أوراقها والتخلص من الورق الذبلان معطيا للشمس فرصة لتضئ نفسه مرة أخرى ويصبح قادرا على الإنتاج من جديد سواء أكان إنتاجا فكريا أو إنتاجا ماديا أو إنتاجا أخلاقيا.

شخصيا أعتبر تلك الاستراحة لازمة دوريا لأن الإنسان يحتاج أن يقف مع نفسه كثيرا على فترات متفاوتة حتى يحاسب نفسه أولا ويعيد تقييم أفعاله وأفكاره ثم ينتهي إلى تقييم عاقل وموضوعي للفترة السابقة في حياته ليستطيع أن ينتقل منها إلى فترة جديدة. إنسانا عاقلا مفكرا موضوعيا مستقلا منتجا ومطمئنا.

ربما يعتبرها البعض دعوة نحو التخلف والعودة للوراء لكني أرى أننا انفتحنا على العالم انفتاحا واسعا للغاية جعلنا نبدو مثل الآلات القديمة التي عفا عنها الزمن، وأظن أننا نحتاج أن ننغلق قليلا ونحيط بعضنا البعض بأذرعنا ونركز على أنفسنا وما تحتاجه حتى لا يلهينا قطار العالم السريع عما نحتاجه حقا لنكون سعداء حقا فلا نكون موهومين بالسعادة، وحتى نستطيع إنتاج أفكارنا بحرية وتلبية احتياجاتنا بأنفسنا وتغيير العقلية الإستهلاكية إلى عقلية إنتاجية لا تنتظر من يشفق عليها ليسوق لها غذاءها أو من ينظر إليها بعطف خبيث وهو يقدم لها الحلول لمشاكلها.. علينا أن نستكمل طريق سد فراغاتنا الروحية.

العقلية الإستهلاكية المتوحشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.