1945

عام استثنائي!

إن عام خمسة وأربعين وتسعمائة وألف له من الأهمية ما له نظرا للأحداث التي شهدها وما ترتب عنها من نتائج حددت مصير المجتمع الدولي مستقبلا.

في بداية تلك السنة لا تزال أوروبا تشتعل على وقع الحرب العالمية الثانية، فمن الشرق يواصل الجيش الأحمر تقدمه باتجاه قلب برلين، أما في الجهة الغربية فقد حرر الغرب الأراضي الفرنسية من قبضة الألمان.
فصل شتاء جد قاس أثر على معارك الألمان ضد السوفييت شرقا حيث حال ذلك دون وصول إمدادات الغذاء والعتاد العسكري للجنود آنذاك. غابة أردين على الأراضي البلجيكية ستشهد فصلا من فصول الحرب بين قوات الحلفاء وقوات الرايخ، حيث سعى هتلر الى المرور من غابة أردين للوصول إلى ميناء انتويرب ومن تم السيطرة عليه مما قد يقطع الطريق على بريطانيا للوصول الى اليابسة الأوروبية.

في الشرق تزداد معاناة الجنود الألمان حيث تقلصت إمدادات الغذاء الموجهة لهم ليكتفوا بخمسين غراما من الخبز مع اثني عشر غراما من الدهن مما أصابهم بالإسهال الحاد، إضافة الى قساوة الطقس الشتوي.
وبسبب ما عانوه من لدن الألمان سابقا اعتمد الروس أساليبا حربية أكثر حدة ولا تحمل من الإنسانية أية نسبة، حيث اعتمدوا سياسة الانتقام والأرضي المحروقة التي لا تبقي ولا تذر. هذا وسبب وصول السوفييت الى الأراضي الألمانية حالة من الذعر والخوف الشديد لدى المواطنين، كما سيكتشف السوفييت معسكرات الاعتقال والتعذيب أوشفتز ببولندا التي قضى فيها آلاف اليهود وضعية صعبة وحالات سيئة، حالات وظروف اعتقال تفتقر إلى أدني مستويات الشفقة الإنسانية.

في الرابع من فبراير جرت اتفاقيات يالطا بحضور روزفلت رئيس الولايات المتحدة إلى جانب ونستون تشرشل وكذا جوزيف ستالين، وتم في هذا الاجتماع تشكيل تحالف قوي بين السوفييت والانغلوساكسونيين قصد تسريع النصر على قوات هتلر العسكرية، كما تم التوقيع على بيان ختامي يقدم تصورا لما بعد الحرب حي ستقام انتخابات حرة تحت اشراف القوى العظمى الثلاث.

على الرغم من كل هذه التوافقات إلا أن كل طرف له مطامع خاصة، فستالين السوفياتي يرغب في ضمان السيطرة السوفياتية على وسط أوروبا وقبل كل شيء بولندا. أما روزفلت رئيس بلاد العم سام فكان يؤمن بأفكار جد مثالية حول إمكانية منع الحرب مستقبلا بإنشاء الأمم المتحدة، في الوقت الذي تؤرق فيه مطامع ستالين بال ونستون تشرشل الذي كان يعتقد أن سيطرة ستالين على بولندا وأوروبا الوسطى ستؤدي لا محالة لإثارة النزاع مستقبلا. وشهد اجتماع يالطا الاتفاق الثلاثي على مشروع تقسيم ألمانيا إلى أقاليم محتلة بمجرد الإطاحة بعرش هتلر.

على الميدان لازال الألمان يقاومون بشدة، إذ أمطرت أمريكا وبريطانيا أراضي مدينة دريزدن بالقنابل الفوسفورية الحارقة ما أدى إلى فقدان ما بين 20 و 30 ألف مدني. وقصد كبح جماح الحلفاء ومنعهم من التقدم تجاه برلين، هدم الألمان جسور نهر الراين، لكن ذلك لم يوقف إرادة وعزيمة الحلفاء الذين تجاوزا الراين باتجاه برلين. هذا الأمر سيدفع ستالين إلى الإسراع للسيطرة على برلين أولا وبالضبط على مبنى مستشارية الرايخ حتى لا يسبقه الحلفاء لذلك.
في المحيط الهادئ لا زال الحلفاء يقاتلون ضد جنود الإمبراطورية اليابانية وبالضبط في جزيرة ايو جيما، وفي العاشر من آذار، طوكيو تغدو مدينة مدمرة بالكامل بعد قصف جوي ليلي قادته قوات الحلفاء ضدها.

هتلر-وموسوليني-خلال-الحرب-العالمية-الثانية-في-ألمانيا-عام-1940
 هتلر وموسوليني خلال الحرب العالمية الثانية في ألمانيا عام 1940

في نفس الشهر سيصل الأمريكان إلى التراب الألماني حيث اكتشفوا وضعية المعتقلات والمعسكرات النازية، جثث مرمية وأناس اقتربوا من الموت جراء الجوع الحاد. شرقا، يتمدد الجيش الأحمر ليقترب بذلك من برلين حيث مبنى مستشارية الرايخ. ستالين كان مهووسا بمنع الأمريكيين من الوصول إلى برلين قبل الحلفاء مخافة أن يأسروا العلماء الألمان ويحصلوا على اليورانيوم.

وفي ذلك الوقت تلتقي القوات الأمريكية وقوات الجيش الأحمر قبالة نهر إيباه جنوبا في جو مليء بالعناق والمرح والنشاط بفعل الاقتراب من اعدام أحلام هتلر.
في إيطاليا أعدم بينيتو موسوليني زعيم النظام الفاشي على يد مقاتلي المعارضة وعلقت جثته في الساحة العامة عقابا له على فاشيته الخاطئة. أيام معدودة بعد ذلك يزهق هتلر روحه في مخبئه السري بعد تناوله عقار السيانيد قبل أن يصوب النار على رأسه ليضع حدا لحياة مليئة بالخطط والأفكار التوسعية.

المارشال بيتان زعيم حكومة فيشي الفرنسية الموالية لألمانيا سيحاكم بالسجن مدى الحياة عقابا له على خيانته العظمى للشعب والأمة الفرنسية. واجهت أوروبا سؤالا إشكاليا كبيرا يتمثل في كيف يمكن بناء قارة مدمرة بالكامل، ومن سيتحمل تكاليف ذلك.

دمر الرايخ تماما وسحق المجتمع الألماني، وصمم المنتصرون على الاستفادة من التقنيات التي ابتكرها مهندسو هتلر، حيث وبحلول مايو عام خمسة وأربعين استسلم علماء ألمان للقوات الأمريكية مفضلين بذلك الولاء لبلاد العم سام بدل الموت أمام فوهة بنادق أمريكية الصنع.
لقد استولت الولايات المتحدة على العديد من المعدات والآليات العسكرية التي اعتبرتها غنائم حرب ستفيدها فيما بعد، لذلك قررت نقلها إلى البلاد.

يوسف-ستالين-القائد-العام-للقوات-المسلحة-السوفيتية-إبان-الحرب-مع-النازيين
جوزيف ستالين القائد العام للقوات المسلحة السوفيتية إبان الحرب مع النازيين

في السادس من أغسطس عام خمسة وأربعين على الساعة الثامنة والربع اهتزت مدينة هيروشيما اليابانية على وقع القنبلة النووية الأمريكية، سبعون ألف إنسان لقوا مصرعهم في ذلك اليوم في مشهد استثنائي لا يحمل ولا مثقال ذرة من الإنسانية. وفي هذا الصدد ادعت الولايات المتحدة أن استعمال القنبلة النووية التي تعتمد في انفجارها على انشطار الذرات جاء لحفظ أرواح المدنيين.

بعد رفض اليابان للاستسلام غير المشروط ألقى الأمريكيون القنبلة النووية الثانية وهذه المرة على مدينة ناكازاكي في 9 أغسطس، ليأمر بعد ذلك الإمبراطور الياباني بإعلان استسلام بلاده حفظا لماء الوجه وحقنا لدماء اليابانيين.

في الثاني من سبتمبر من نفس السنة اتجهت الأنظار إلى خليج طوكيو على متن البارجة الأمريكية يو إس إس ميزوري حيث حضر وفد ياباني قصد توقيع مرسوم الإقرار بالاستسلام. وقد ألقى الجنرال الأمريكي مكارتر خطابا تاريخيا دعا فيه البشرية جمعاء إلى استخلاص الدروس من هذه الحرب ومن تم العمل على الحيلولة دون وقوع حرب عالمية أخرى مستقبلا، ليتم بذلك توقيع الاتفاق الذي بموجبه تم الإعلان عن نهاية الحرب العالمية الثانية رسميا.

بعد الإعلان نهاية ست سنوات من الدمار والاقتتال، آلاف الأمريكيين ملؤوا الشوارع الكبرى فرحا بنجاح بلادهم في دحر وإيقاف جبروت هتلر وأحلامه التوسعية. لقد اكتشف العالم بعد هذه الحرب أن قنبلة واحدة بإمكانها تدمير مدينة كاملة في دقائق معدودة، فقد أثبتت مدينتي هيروشيما وناكازاكي ذلك، مما فسح المجال لبداية العصر النووي.
وكشفت تقارير صحفية بعد نهاية الحرب على أن آلاف الجنود الأمريكيين دخلوا مرحلة العلاج العصبي بعد أن أفقدتهم أهوال الحرب معاني النوم؛ منهم من انتحر فيما بعد نظرا لعدم قدرته على استيعاب ما عايشته عيناه من أعمال وحشية بدائية كان فيها شريكا.

من-مخلفات-الحرب-العالمية-الثانية
من مخلفات الحرب العالمية الثانية

لقد نتجت عن هذه الحرب تحولات اجتماعية على مستوى البنية الهرمية للمجتمع الأوروبي، فقد تراجع عدد الأفراد النشيطين القادرين على الاشتغال فيما تزايدت نسب الشيخوخة داخل المجتمع مما ألزم المجال الأوروبي بالبحث عن العمالة الأجنبية التي قدمت فيما بعد من شمال إفريقيا بالخصوص.

سياسيا، وفي أكتوبر عام خمسة وأربعين أظهرت 54 دولة طموحا كبيرا لعدم السماح بوقوع حرب عالمية أخرى مستقبلا وذلك برعاية من الأمم المتحدة، وفي نفس السياق دعا وزير الخارجية السوفياتي ميخائيل مولوتوف إلى تجنب الوقوع في أخطاء عصبة الأمم، مع ضرورة إنشاء مجلس أمن يحق فيه التصويت ويتمتع الحلفاء فيه فقط بحق النقض (الفيتو).

هي إذن حرب أتت على الأخضر واليابس وأعادت تشكيل المنتظم الدولي والسياسة الدولية ممكنة بذلك من وضع أسس مؤسسات جديدة حكومية وغير حكومية تضطلع بمسائل حماية المجتمع من حروب مستقبلية، مع العمل على استتباب الأمن وتبيان حقوق وواجبات الأفراد في عالم وجب أن تكون فيه الدبلوماسية العصا السحرية التي تحل بها الأزمات وتدار الخلافات!

1945

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.