كيف نقول “وداعاً”؟

أتخيلك،
أتخيل عينيك المرهقتين من السهر، ربما يحتاجان قبلة حتى يذهب التعب، وتنام
أتخيل يديك الباردتين من صقيع الأيام، وظهرك المقوس من كثرة الجلوس إلى مكتبك، وأقول: ربما تحتاجني!
التفت قليلاً، ثمة يدين باردتين على بعد كلمتين منك.
“عزيزي”
هذا كل ما تبقى منك! هذا اللقب الذي أحب، وأعزي به نفسي بعد الرحيل.
إنني بقدر ما أكره الوداع، أحب الرسائل الأخيرة التي نشيع بها أحدهم نحو النسيان، وكم أتمنى لو أنني استطعت أن أقول لكل الذين رحلوا رسائل أخيرة، قبل أن يباغثنا الفقدان.
ولكنني أفعل الٱن معك.

كنت أكتب لك،لأقترب، لتصغر المسافة بيننا وتعود لي..وأكتب الٱن لأبتعد.

كان الطريق إليك طويلاً حتى تمنيت لو تخجل المسافة وتنتهي.

وكان الحديث معك طويلاً ، حتى تمنيت
للمرة الأولى أن لا ينتهي أبداً.

هكذا، كل المتناقضات لا تجتمع إلا بيننا.

كانت في قلبي مساحة هائلة من الحب حتى تقول ما تريد دون قيود، وأفهم أنا ما لم تقله لي.
ليلتها، لم أرد أن أنم، كنت أملأ عيني بك، كنظرة أخيرة، عناق أخير، وكلمة حلوة أعلقها حلقة في أذني حتى أتذكرك كلما وسوس لي الشيطان أنك نسيت.

وددت لم أنني أراك من بين الكلمات تتمسك بعنقي كطفل صغير لن يبتعد عن أمه رغم كل العتاب، لكنني كنت أرى رجلا ثابتا، لا يحتاجني، يرخي يده من يدي دون أن يتحرك قلبه.

هل كنا مضطرين أن نخسر من نحب ؟ ونحن نعلم أن الحياة أقصر من عناق، وأطول من عتاب تنهيه كلمة واحدة منك.

أتذكر مقطعا من فيلم ما، كانت إحداهن تصرخ في وجه رجل بانفعال وتقول:
“كيف توقفت عن الإمساك بيدي؟
كيف فرطت بي؟
كنت قد بقيت أنت فقط
ذهبت وأدرت ظهرك لي..”

أرأيت، ثمة حب كحبال مهترئة، تنهيه الحياة بدردشة مملة؛
وثمة حب ٱخر، يجعلنا أقوى؛
في الحالتين كنت قوية بك، وأنا أعرف أن أحداً ما على هذه الأرض يهتم لأمري..لكنني حين جربت الحبل معك، كان مهترئا أكثر مما ظننت، وكنت أنا الطرف الذي يسقط كل مرة.

في الحب، في العلاقات كلها، وفي الحياة..أكثر شخص يتمسك بنا، هو أكثر شخص نتخلى عنه.
لأن الحياة تعلمنا بشكل ما أن نكون عابرين، وأن لا نتشبت بشيء أبداً.

أخبرتك ليلتها أن النسيان سهل، وأننا في الحالات القصوى،كالموت، ننسى أيضا ونستمر.. وأنا أعلم بخساراتي الفادحة في لعبة النسيان،

ثم أمضيت الليلة أقنع نفسي أنه كان حلما، أقرأ على نفسي المعوذتين، وأعود للنوم.

ليس علي أن أقلق بعد الٱن، ليس علي أن أشتاق لشخص يرميني للأيام وحدي دون عتاد، وليس علي أن أتذكر الأيام الحلوة بعد اليوم، لأن طعم الخذلان حارق.

أن تسقط رجلك في أكثر خطواتك أمانا، وأن يفشل اختيارك الوحيد الذي اخترته بكامل ثقتك من بين الجميع.

هل ترى؟
هذه أشياء لا تعرفها، لأنك لم تجرب أن تمشي طرقا غير التي يختارها الجميع، وأن تتبع حدسك نحو الهاوية، حين يلومونك وأنت تصدق صوتا خافتا تسمعه وحدك.

ثمة أشياء في الحياة، لا يجب أن نندم لفقدانها، لأننا كنا نملك رفاهية الإختيار واخترنا التخلي، ولأننا حين نترك شيئاً عمدا، لن يحق لنا أن نحزن لفقدانه.

كيف نقول “وداعاً”؟

‫3 تعليقات

  1. “لأن الحياة تعلمنا بشكل ما أن نكون عابرين”
    قلما قرأت نصا فارتقى بي تلك العوالم. أبدعت

  2. جميل جدا ما خطته يداك صديقتي ، و ما نطقت به دواخلك ، و جميل جدا ذاك الأسلوب الرائع الذي قد يجعلك منغمسا مستقرا في عالم الكلمات تحاول فهم المسافة و كذا المغزى الموجود بين الحروف …
    شكرا لك صديقتي لأنك جعلتني أستمتع و أنا أمعن النظر في ما كتبته و أعيش الأحاسيس التائهة في بداية الكلمات و في نهايتها ، حقا شكرا لك صديقتي
    مع متمنياتي الصادقة لك بالتوفيق في المسار العلمي و العملي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.